عن مهرجان الفيلم العراقي في لندن
برعاية وتنظيم مؤسسة المرايا الثقافية وجمعية الطلبة الفلسطينيين في مركز الدراسات الشرقية والافريقية جامعة لندن، اقيم مهرجان للافلام العراقية التسجيلية لمدة خمسة ايام عرضت خلاله مجموعة متنوعة من الافلام العراقية المختلفة في الطول وربما في الطرح ايضاً، لكنها جاءت متفقة في معظمها علي موضوعة العراق وتداعيات السقوط والاحتلال وشجون الغربة وقسوة المنافي خصوصاً بالنسبة للنماذج التي تعاطت معها بعض الافلام من كتاب وفنانين مغتربين او مهجرين. شهد يوم الافتتاح حضوراً كبيراً للجمهور العراقي والعربي والغربي، حتي ان قاعة بروناي التي شهدت يوم الافتتاح غصت عن آخرها بالحضور، مما اضطر البعض الي افتراش ارضية المسرح لمتابعة الافتتاح والعروض.
يوم الافتتاح
في يوم الافتتاح عرض فيلم اين العراق القصير لباز شامون، 20 دقيقة ـ 2004 وجاء الفيلم الثاني وهو قصير ايضاً بعنوان عمر صديقي للمخرج مناف شاكر، 15 دقيقة ـ 2005. بعد ذلك جاء وقت العود والموسيقي. فتعبيراً عن دعم المخرجين العراقيين واحتفاءً بهذا المهرجان تبرع الموسيقار احمد مختار بتقديم امسية علي العود المنفرد ابحرنا خلالها في عالم الموسيقي الروحية والانغام الساحرة، قدم مختار خلالها تقاسيم علي مقام الرست وتنويعات علي اغنية عراقية، ومن مؤلفاته مقطوعة طفولة وهي قطعة موسيقية استخدمها في فيلم سنوات الرماد للمخرج محمد توفيق، وتلتها مقطوعة مقهي عراقي التي استخدمها في فيلم وثائقي من انتاج محطة البي بي سي، واختتم العرض بقطعة اسبانيا التي استخدمها في مسرحية حكاية جندي للمخرج البريطاني اندرو استيغل. صفق الجمهور طويلا لمختار الذي يعتبر من ابرع عازفي العود وذلك علي اختياراته الموفقة التي تصب في صلب المهرجان وكالعادة ابدع في الروح والتقنية في العزف، ويعرف عن مختار دراسته للموسيقي السينمائية والمونتاج في كلية لندن للموسيقي التقنية، واهتمامه المبكر في وضع موسيقي تصويرية للمسرحيات حيث يقول (اول عمل وضعت موسيقاه التصويرية كان لفرقة مسرح الصورة من طلاب اكاديمية بغداد في الثمانينيات)، وظهر هذا الجانب الذي ميز مختار، في اعماله التي انتجها في السنوات الاخيرة.
اما ختام يوم الافتتاح فكان الفيلم الثالث الذي امتد علي مساحة 60 دقيقة من انتاج عام 2005 للمخرج ليث عبد الامير عنوانه اغنية الرجال المفقودين .
انطباعات عن الأيام التالية
وقد توالت العروض في اليوم الثاني للمهرجان بعرض 6 افلام هي انس بغداد 2002 ـ 110 دقيقة للمخرج سمير وفيلم وسط حقل الذرة الموحش للمخرج قاسم عبد، 37 دقيقة 1991، وفيلم سمير زيدان القصير جداً اللغة 6 دقائق ـ 2004، ثم جاء فيلم كفاية صالح حول مؤسسة حوار بعنوان حوار ايضاً لمدة 12 دقيقة ـ 2005، وفيلم هادي ماهود العراق وطني 2005 ـ 52 دقيقة، واختتمت فعاليات اليوم الثاني بفيلم احلام العصافير 2005 ـ 80 دقيقة للمخرج الشاب حيدر دفار. واستمرت افلام اليوم الثالث في العزف علي نفس الوتر وهو موضوعة العراق وحالة الفوضي الانسانية التي تلت السقوط . الافلام التي تم عرضها هل هذا جهاد 28 دقيقة ـ 2006، وفيلم لعمار سعد العلكة الملعونة 35 دقيقة ـ 2006 وفيلم ايام بغداد لهبة باسم ـ 35 دقيقة ـ 2005، افلام اليومين الاخرين، العودة الي ارض العجائب لميسون باججي 2004 ـ 88 دقيقة، وشاعر القصب لمحمد توفيق 2000 ـ 55دقيقة.
ان الذي يتابع عروض الافلام يضع نفسه في موقع الاجابة علي التساؤلات التي تطرحها تلك الافلام مثل العراق الوطن كيف والي اين؟ ، المؤسسة الدينية ما لها وما عليها؟ ، العلاقة بين مكونات الشعب العراقي ، هل ستتركونا نعيش بسلام ، ويصبح الأمر متروكاً بعد ذلك للمتلقي للاجابة علي مثل هذه التساؤلات. وتعتبر هذه لهجة جديدة في موضوعة الافلام العراقية حيث يطرح السبب والمشكلة تظل بلا حل والذي هو اما صعب او مستحيل كما هو الحال في فيلم ايام بغداد الناجح للمخرجة هبة باسم، وحيث تشاهد اعمالاً بدون سلطة الرقيب القمعي كفيلم العراق وطني لهادي ماهود. ونستطيع ان نلمس الارباك الواضح في الافكار المطروحة الناتج عن الانتقال من حالة الرقابة الصارمة التي فرضها النظام المخابراتي السابق الي حالة الغياب التام لتلك الرقابة في بعض الافلام. رغم الاحساس بوجود خطوط حمراء جديدة لم تتضح هويتها بعد رغم انها غير غائبة تماماً عن الحدس، هذه الخطوط او التابوات قد تكون دينية او سياسية، انتجها الرقيب الداخلي المترسب في لاوعي بعض المخرجين، وساهم في ابرازها ايضا الواقع الفوضوي في العراق الجديد. هنا نسجل في نفس الوقت للمخرجين شجاعتهم بتناول المواضيع الحساسة المرتبطة جوهرياً بأسس حقيقية لتطوير السينما العراقية.
أدوات المخرج الضعيفة
لا يخفي علي المشاهد ايضاً ان عدم التوازن بين الشكل والمضمون كان طاغياً في بعض هذه الافلام لذا تري ان الفكرة لا تتناسب مع الترجمة التقنية لها مثل فيلم احلام العصافير لدفار. بكلمة اخري ان الادوات التقنية للمخرج اضعف من القضية المطروحة، حيث كانت الكاميرا تعاني من عدم استقرار، كما ان انتقالها المفاجئ او المبتور حرم المخرج من انشاء لغة بصرية تعبيرية، قد تختصر الكثير من زمن الفيلم. ان مهمة الكاميرا هي تكثيف الحدث بشكل بصري لاخراج حالة تعبير مرتبطة مباشرة بالحس البصري للمتلقي، واعتقد ان مشكلة الجانب التقني كانت ظاهرة في الكثير من الافلام، حيث تميًز اكثرها بالمباشرة الشديدة في الطرح، وربما لهذا ما يبرره، اذ تحس بعد ان يغمرك ظلام الصالة وكأنك تقتلع احياناً لتقذف داخل الحدث مباشرة، لتعيش تجربة حسية وتماسا مباشرا مع ما يجري مع ارض الواقع، رغم ان هذا المنحي كان خطيراً علي مستوي التعبير البصري للكاميرا، حيث تحس انها موجودة هناك في قلب الحدث، لكنها محرومة من فرصة التعبير بشكل سينمائي عن الحدث، بشكل ايحائي يستفيد من مفردات المكان لخلق لغة سينمائية تعتمد علي الخزين الرمزي لأدوات المكان، مثل ضريح، شاهدة قبر، كلب ضال، وجه معبر لطفل او امرأة، مسجد، كنيسة، ترتيلة، نواح، او حتي نسيم محمل بالغبار . يتم اتيان مثل هذه الاشياء بالهدوء واختيار زوايا الالتقاط المناسبة مع الاهمية القصوي لمصدر الضوء في صنع اللقطة السينمائية . لكن تسارع الاحداث في معظم الافلام التي تعاملت مع الشارع بشكل مباشر باعتباره مسرحاً للاحداث يجعلنا نتعاطف بشدة مع اصرار المخرجين علي انجاز شيء وسط هذه الظلمة الدامسة، والحق ان الانفجارات كانت تدوي بين الفينة والاخري، في الوقت الذي كان فيه التصوير يجري فعلاً. انه جهد استثنائي تم انجازه تحت وطأة ظروف استثنائية، لم تترك احياناً اي مسافة فاصلة للمخرج لتأمل الحدث، فهو يبدو احيانا مثل ماهود في فيلمه العراق وطني مثل مراسل حربي قد يموت في اي لحظة، انه يطل علينا من قلب الحدث، يتماهي معه، يصبح هو الحدث نفسة، بحيث يذهب بنا الظن للحظات الي ان المخرج هو الحدث نفسه. نجحت بعض الافلام في التقاط نبض اللحظة، نبض الفعل الانساني حال ولادته، لكنها للاسف ظلت حبيسة داخل حيز مكاني ضيق، حرم الفيلم من متابعة التعرف علي الشخصيات داخل المكان بمعناه الاوسع من دائرة التصوير الضيقة، لاضفاء عمق وخلفية جيو ـ انسانية علي الشخصيات مثل الحوارات الطريفة الدائرة في كراج للنقل في الاردن.
التركيز علي الذاكرة
ان التركيز علي الذاكرة والذكريات والبكاء علي الاطلال في بعض الافلام ليس بالموضوع السلبي لكن المهم سينمائيا هو توظيف موضوعة الذاكرة بصريا وسمعيا وصوريا كما حدث في فيلم شاعر القصبة للمخرج محمد توفيق وفيلم الارض اليباب للمخرج قتيبة الجنابي، لخلق لغة تستند علي خصوصية محلية، توظيف مفردات المكان بكل مزيتها، وتتخلص من التوظيف البسيط للكاميرا التي تطغي عليها الصفة الخبرية والتي لم تأخذ حيزها الكافي لتصبح موازية لموضوع الحدث السينمائي. ويبدو ان عقدة الخواجة تسربت الي بعض الافلام حيث يظهر احد الطحالب السياسية العراقية التي طفت علي السطح السياسي بفضل الاحتلال مؤخراً وهو يستمع الي احدي السيمفونيات الغربية ليبين التناقض الصارخ لما يطرحه الفيلم من معالجات للوضع العراقي.
السؤال هو؟
لذا فان السؤال الذي يطرح نفسه الان ماذا نفعل لانشاء تقنية سينمائية متطورة، تقنية تمنح الكاميرا فرصة للتعبير عن نفسها؟ كيف نستفيد من مفردات المكان العراقي الغني برموزه لخلق لغة سينمائية اعمق اثراً في النفس؟ كيف نخلص الكاميرا، من عبء الريبورتاج الصحافي المصور الذي سقطت في فخه عدة لقطات في ظل التغير والتحول الحاصل في العراق والعالم؟ وذلك لإبراز المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فيه ولمعالجة التركيبة النفسية للعراقي بصورة بصرية سينمائية ناضجة. انها فرصة عظيمة ان نشد علي ايدي هؤلاء المبدعين الذين قدموا جهداً خارقاً في ظل ظروف غير انسانية والفوضي والدمار، فرغم الهفوات كان هنالك الكثير من ملامح الابداع السينمائي.



