logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

ثقافية: أحمد مختار: الموسيقى عنصر أساسي في حوار الحضارات

8 تموز 2006 - حاوره: عدنان حسين أحمد
المصدر: الصباح الجديد البغدادية

*كيف انبثقت في ذهنك فكرة أسبوع الموسيقى العراقية. ما المحفزات الأساسية التي دفعتكم لإقامة مهرجان من هذا النوع؟

-الحقيقة أن الوضع العراقي بصورة عامة، والوضع الموسيقي بصورة خاصة هو الذي دفعني لتنفيذ هذه الفكرة. أقول بكل وضوح أن قلائل هم الذين يعملون من الجانب الحكومي أو الرسمي من أجل العراق ثقافياً وموسيقياً، وقد لا أبالغ إذا قلت إنني لم أر أي نشاط لهم، لذلك أحسست بأن كل واحد منا يجب أن يعمل على إظهار وجه العراق الثقافي والموسيقي والسينمائي كما هو عليه في الواقع. وإنشغال الآخرين " الجهات الرسمية " في الموضوعات التي تدور في العراق من محاصصة وطائفية مقيتة وبحث عن مراكز ومناصب في الدولة قد أهمل، مع الأسف الشديد، وجه العراق الحضاري. وإضافة إلى الحقبة الزمنية التي مرّ بها العراق، لكي أكون منصفاً، أيضاً أهمل وجه العراق الحضاري الحقيقي، وصار العراق بالنسبة للناس الذين يقيمون في أوروبا وحتى الناس الذين يقيمون في العراق ما عادوا يفتخرون بالعراق لأنه ينتج دكتاتوريات، ويفجر حروباً على عدد من الجبهات، وهو اليوم يُذبح، وتتبلور فيه الطائفية، هذه التوصيفات السيئة بدأت تتزايد في السنوات الأخيرة، أما نحن فنحاول أن ننقل صورة حقيقية معاكسة للصور الزائلة التي تنتجها الحالات والظواهر الشاذة في العراق. فنحن نعرف أن العراقي لا يذبح، ولا يقتل أخاه السني أو الشيعي أو المسيحي أو الكردي أو الصابئي. من هنا إنطلقت فكرة المهرجان وهي أن نطرح ثقافتنا وموسيقانا وأعمالنا التي تعبّر عن نظرة إنسانية عميقة، ونريد أن نذّكر العالم بأننا ما زلنا قادرين على العمل والبناء والإبداع ومواصلة بناء ما قدمته لنا الحضارات العراقية التي سبقتنا من خلال جهودنا الإبداعية الفردية والجماعية بالتعاون مع الجهود الطيبة التي يبذلها بعض المتخصصين البريطانيين معنا. هذه الفكرة راودتني أنا شخصياً فكيف أنفذها؟ لذلك قررت أن أعتمد على نفسي أولاً فقدمت عدداً غير قليل من المحاضرات التخصصية، كما أحييت عدداً مهماً من الحفلات الموسيقية الفردية، لكنني إكتشفت أن هذا النشاط لوحده غير كاف ويجب أن نعمل بشكل جماعي، خصوصاً نحن الموسيقيين في الأقل، لذلك فكرت بمهرجان أسبوع ثقافي عراقي في لندن، وذهبت فعلاً إلى مركز الدراسات الشرقية والأفريقية " سواس " في جامعة لندن لأنني أمتلك علاقة طيبة معهم عمرها سبع سنوات، إذ بدأت في هذه الجامعة طالباً، ثم أكملت دراسة الماجستير، وأصبحت استاذاً في الجامعة نفسها. هم رحبوا بالفكرة، ولكن قالوا إن إقامة أسبوع ثقافي هو أمر صعب يحتاج إلى تنفيذه كثير من القضايا، بينما نحتاج نحن إلى شيء أصغر من الناحية التنظيمية ولكن له وقع أكبر، فقلت إذاً نقيم أسبوع الموسيقى العراقية، فقالوا نحن واثقون وموقنون من قدرتك على تنظيم هذا المهرجان وإدارته بشكل دقيق، ثم حددت برنامج العمل، ودرست معهم المشروع، فوافقوا فوراً على دعم هذا المشروع، ولدينا الإستعداد الكامل لتبنيه، ومنذ سنة تقريباً قبل بدء المهرجان كنا منهمكين بتفاصيله الدقيقة حتى وصلنا إلى النتيجة التي رأيتها بأم عينك.

*كيف تم إختيار المحاضرات والحلقات النقاشية؟ ما هي أسباب إختيار هذه العناوين كموضوعات رئيسة لمحاور الندوات والأبحاث الموسيقية علماً بأنها منوعة ومختلفة وتشمل كل أطياف الشعب العراقي أو جزء كبيراً منه؟

-حاولنا قدر الإمكان أن نقدّم المشهد الثقافي على ما هو عليه، والثقافة الموسيقية العراقية على ما هي عليه بشكل حقيقي لأن هناك عوائق كثيرة تحد من هذه النظرة الشاملة للإلمام بالموضوع من كل جوانبه، لذلك إخترنا موسيقى عربية، وكردية، وهناك آشوريون أنتجوا موسيقى عراقية، ويهود عراقيون أنتجوا موسيقى عراقية، لذلك حاولت أن أعمل في هذا المضمار الذي لا يخلُ من عوائق ومن بينها أنني وجهت الدعوة فيما يخص الموسيقى الكردية إلى شخصيتين عراقيتين كرديتين وافقا أول الأمر ثم إعتذرا لاحقاً. دعني أتحدث بصراحة لقد إتفقت مع السيدة تارا الجاف وهي مثقفة كردية يمكن أن تقدّم محاضرة في هذا المجال وهي متمكنة من ذلك تماماً فلغتها جيدة ويمكن أن تؤدي بعض الأغاني الضرورية وهي عازفة هارب، ثم تحدثت مع حسين الزهاوي وهو عازف دف ومغني وخريج " سواس " أيضاً، وقد وافق أول الأمر ثم إعتذر لأسباب يبدو أنها شخصية، لذلك لم يبق أمامنا إلا أن ندعو أناساً من خارج بريطانيا غير أن المدة المتبقية لإنطلاق المهرجان كانت قصيرة جداً، خصوصاً وأن إعتذار تارة والزهاوي قد جاء متأخراً وأربكنا كثيراً. وفيما يخص موسيقى اليهود العراقيين. فالحقيقة أن سارة مناسي هي يهودية عراقية من أبوين عراقيين وافتهما المنية في بريطانيا، قد إستجابت بشكل رائع وقدمت محاضرة قيمة عن موسيقى اليهود العراقيين وعلى مدار المحاضرة كانت تتحدث عن كيفية تبني اليهود العراقيين للغة العربية " اللهجة العراقية تحديداً". أما المحاور الأخرى التي كانت جوهر المهرجان هو المقام فقدم حزقيل قوجمان الذي عاصر قرّاء المقام ويعزف العود، ولديه رسالة دكتوراه في المقام وقد طبعت هذه الرسالة وتعتبر مصدراً مهماً في المقام العراقي وصدرت تحت عنوان " المقام: الموسيقى التراثية للعراق ". كما هو معروف بعلاقته بالثقافة العراقية وتمسكه الشديد بها. كما دعوت أون رايت وهو بروفيسور بالموسيقى الشرق أوسطية ومتخصص بالموسيقى العراقية والتركية ولديه أكثر من رسالة دكتوراه، كما أشرف على أكثر من مئة رسالة دكتوراه خلال الخمس عشرة سنة الماضية. هذا الباحث والموسيقي الكبير تحدث عن " موسيقى العراق . . التأثر والتأثير " وكانت محاضرته بحق تغطية شاملة للموسيقى العراقية. أنا شخصياً قدمت " الألوان الغنائية العراقية " وقد تحدثت عنها بالتفصيل، أي إمتد الحديث إلى الغناء الكردي والبدوي كما تحدثت بشكل عميق عن المقام العراقي والغناء الريفي الذي يشكّل رقعة كبيرة من الغناء العراقي. ثم قدمت ورشة عن " الآلات الإيقاعية والإيقاعات العراقية " مثلاً عندنا " الخشبة " مثل آلة الطبلة أو " الدمبك " آلة الرق، الطارات الصغيرة والكبيرة الحجم والأحجام المدورة التي تسمى سابقاً " الدائرة أو الدايرة " أو " البندير " بالمصطلح القديم. المزاهر الصغيرة التي من دون صنوج، آلة الكاسور وهي تنويعات " الخشبة " تحدثت عن هذه الآلات. كما تحدثت عن الإيقاعات العراقية التي لا تستعمل إلا في العراق مثل إيقاع " الجورجينا " إيقاع " اليوكرت " إيقاع " السنكين سماعي ".

*ما خصوصية هذه الإيقاعات؟

-هذه السؤال طرح علي من قبل واحدة مرشحة لنيل شهادة الدكتوراه، فقلت لها أن بغداد كانت مركز الحضارة في وقت ما لذلك كانت تستوعب كل الثقافات وكل الناس المنحدرين من أعراق وشعوب مختلفة. فجاء مثلاً الأتراك والأذربيجانيون والفرس وحتى الرومان صارت تستقطبهم هذه المدينة وتحتضنهم لذلك إمتزجت موسيقى الشعوب الأخرى بالموسيقى العربية على رغم أن الموسيقى العربية دخلت أيضاً على الموسيقى الاساسية البابلية والآشورية ولكنها أخذت حيّزاً أكبر من الموسيقات الأخرى غير أن ميزة الموسيقى العراقية هي في كونها مستوعبة لكل الثقافات الموسيقية الأخرى ومختلطة لها. كانت بغداد في السابق تشبه مدينة نيويورك الآن التي يقصدها الإيرلندي والإيطالي والفرنسي والإنكليزي والعربي، لذلك فإن هذا التنوع والغنى موجود في الموسيقى العراقية فقدمناه في هذا الاسبوع الموسيقي العراقي. كما أن ألوان الغناء البدوي الذي يشبه الصحراء هو غناء عراقي لكنه قريب جداً من أجواء البادية العربية سواء في الخليج أو في الشام، الغناء الريفي العراقي نجده مؤثراً في عربستان مثلاً، الغناء الكردي هو غناء عراقي له خصوصية عراقية مختلفة بإيقاعاته ومقاماته وأنغامه عن الغناء الكردي في تركيا أو إيران، غناء المقام هو غناء شامل وفيه عناصر متعددة وقد دخل إليه الغناء الكردي والتركي لذلك هناك تلوّن وتنوع ثقافي ممتزج بطريقة إيجابية حاولنا أن نقدمه بالطريقة التي تليق به. وفي المستقبل سيتغير المشروع قليلاً وستكون فيه خصوصيات محددة.

*قدّمت خمس مقطوعات موسيقية فقط مع عازف القانون حسن فالح من بينها " مقهى عراقي "، " إشتياق إلى بغداد "، " سماعي كرد "، ما سبب إختيارك لهذه المقطوعات تحديداً؟

- الحقيقة أن هذه المقطوعات الخمس لها علاقة بالتراث العراقي، بل أنها مبنية عليه. قبل قليل قال الفنان حسن فالح أنا أول مرة أشاهد فناناً يُتعب روحه، ويُنهك مخيلته، ويلحّن على مقام المخالف الصعب، لأنه مقام يتكون من خمس علامات موسيقية، ومتعب تكنيكياً في العزف فكيف تؤلّف عليه، لكنه مقام عراقي بحت، ولا توجد أي دولة عربية تعزف هذا المقام، لذلك إشتغلت عليه، وقدمت هذه القطعة " مقهى عراقي " وقطعة " أسبانيا " هي نقطة تحوّل العلاقة بين بغداد والأندلس، وهي أيضاً حكاية لإنتقال العود والموسيقى العراقية إلى الأندلس، لأن بغداد تطورت ولمع نجمها قبل الأندلس. القطعة الأخرى هي " مقامات عراقية " نقلت ثيمة من المقام العراقي وحاولت أن ألوّنها وأبني عليها من عدة مقامات قد أخلق تنويعات متعددة. القطعة الأخرى هي " سولاف " لأستاذي غانم حداد وهو واحد من الاستاذة والمرّبين الكبار وأتمنى له طول العمر، وقد قدّمت هذه القطعة كتحية له وعرفاناً بما خلفه لنا من إبداع.

*ما مدى حضور السفارة العراقية في هذا المهرجان، وهل هناك نوع من الدعم المعنوي بالتشجيع أو الحضور والمؤازرة أو بإستقطاب الناس إلى أسبوع الموسيقى العراقية، أم أن هناك شبه قطيعة؟

-نحن موجودون قبل السفارة، فعلى السفارة أن تمد جسورها معنا. أنا لا أدري أين تقع السفارة العراقية؟ أنا ضمن تجربتي الشخصية في هذا المضمار هي الثانية، ولا أريد أن أتحدث عن تجارب سابقة فيما يتعلق بأمسياتي الموسيقية الخاصة أو المحاضرات والندوات التي أقمتها على مدى سنوات إقامتي في لندن. العمل الأول الذي أن أتحدث عنه الآن هو " حكاية جندي " الذي هو أضخم عمل عربي بريطاني قُدّم على مسارح بريطانية، وهو أول تجربة بالعربية والإنكليزية على مسرح بريطاني وحوار متداخل ولم يرعاها أحد لا السفارة ولا الحكومة العراقية، بل أنهم لا يدرون بها أصلاً وكأنها خارج إهتماماتهم. والجهات التي دعمتها هي الـ " British Council " ولمجلس الثقافة الأعلى البريطاني، واليانصيب، وبعض الأثرياء المهتمين بدعم المسرح البريطاني، ولأنها تجربة فريدة من نوعها فقد دعمها هؤلاء البريطانيون الأثرياء. وقدمناها هنا، وفي أثناء التدريبات التي إستمرت ثلاثة أشهر لم يأتنا أحد من السفارة العراقية. في أحدى العروض جاء السفير وجاءت معه مجموعة من الناس ، وفي اليوم الثاني أقاموا لنا دعوة عشاء، وبعدها لم نر السفير ولا غير السفير، ولم يقل لنا شكراً، ونحن لم ننتظر منه هذا الشكر في حقيقة الأمر. يبدو ان السفير لا علاقة له بهذا الموضوع وربما تكون لديه قضايا أهم من هذا العمل المسرحي الكبير على رغم من كونه رجلاً مثقفاً وأكاديمياً لأنه يعرف أن الخطاب الثقافي أو الموسيقي في هذا البلد أكثر تأثيراً من أي خطاب آخر في المجتمع البريطاني ولا أدري كيف غابت عنه هذه القصة. وفي هذا المهرجان وجهنا الدعوة إلى السفارة العراقية كأي ضيف آخر، ولحد الآن لم نتلق رداً بينما تلقينا ردوداً من سفارات أوروبية أخرى تشكرنا على هذه الدعوات وتؤكد حضورها إلى هذا النشاط الثقافي المهم. وهذا الكلام لا يحرجني إطلاقاً فقد تحدثت مع رئيس القسم وقلت له أن السفارة العراقية لن تحضر بينما سيحضر البوسنيون مثلاً وجنوب أفريقيا وغيرهم من السفارات الأجنبية.

*وجهتم الدعوة إلى فرقتين غنائيتين وهما فرقة " أنهار بابل " و " فرقة سومر " هل لك أن تتحدث لنا عن المحور المهم " نحن في عيون الآخرين " هل أردت أن تستكشف غنائنا وموسيقانا الرافديني من خلال أنامل وحناجر الآخرين كالمغنيات السويديات مثلاً؟

-الحقيقة أن فرقة سومر حالة نادرة فيها تداخل يحكي عن علاقة تداخل الحضارات، وأواصر المحبة والتآلف بينها. الموسيقى من وجهة نظري عنصر أساسي في حوار الحضارات لأنها قادرة على أن تجمع بين الناس فأنت تلاحظ في هذه الفرقة ثلاثة عراقيين وإثنين سويديات وواحد دنماركي. هؤلاء كلهم يغنون غناءً عراقياً، ويعزفون آلات غربية وشرقية، فهذا التداخل هو رمز كبير، فنحن أناس نحب الحياة، ونحب البشر، ونعمل معهم، ويعملون معنا، إضافة إلى أنهم يعزفون موسيقى عراقية وعربية ويغنون غناءً عراقياً وعربياً منذ عشر سنوات. هذه صورة إيجابية على محبة الثقافات، ولقاء الحضارات، وتلاقح الإبداعات العالمية. " أنهار بابل " يقدمون موسيقى عراقية بحتة لموسيقى اليهود في العراق وبالنتيجة فإن موسيقى اليهود في العراق هي موسيقى " فوك النخل " وسواها من الأغاني العراقية ذائعة الصيت والشهرة. وهذه الموسيقى هي جزء من الذاكرة العراقية لسليمة مراد وصالح الكويتي وداوود الكويتي. أنا شخصياً كعراقي ابقى قلقاً من جانبهم على الصعيد التقني، ولكن كون الخط الأول خطاً شرقياً، ولأن المغني عراقي ومن الموصل ويحفظ الغناء البدوي لذلك يستطيع أن يقودهم ويغطي عليهم وهم يساعدون على ذلك الأمر. إن وجود العناصر العراقية هو الأهم في العملية كلها فيما يتعلق بفرقة سومر. هذا العنصر العراقي يجعلك تحس بأنك ترتدي بدلة أوروبية وتضع على رأسك في الوقت نفسه كوفية وعقالاً أو سدارة فيصلية، فالضربة الأساسية موجودة بالعناصر الأساسية للعمل الفني. معهم مثلاً أحمد الجوادي وهو من أهم عازفي الكمان البارعين وهو أستاذ مهم في العراق وتخرج على يده الكثيرين، وطلال عبد الرحمن هو مغني وعازف عود وهو يعرف جيداً التراث الموصلي.

Powered by PhPeace 2.3_beta2