حكاية جندي: عمل مسرحي عراقي بريطاني
التوتر الصاخب يَمْلأُ فضاء مسرح زذلك بيسس البروفات المكثفة التي تجرى على المسرحية الموسيقية حكاية جندي وهي عمل مسرحي موسيقي مستمد من الفلكلور الروسي كتبة سي أف راموز ووضع موسيقاة الموسيقار الروسي أيغور سترافينسكي بطريقة اللحن السباعي، وهو لحن يؤديه سبعة عازفين على سبعة آلات موسيقية مثل الكمان وآلات النفخ النحاسية والخشبية والطبل وحكاية جندي مسرحية كتبت أصلاً بالفرنسية من ثلاث شخصيات رئيسية هي الجندي، الشيطان، والراوي، ويعود تاريخ أول عرض لها إلى العام 1918 . الجديد في هذه العمل هو دخول الموسيقى العربية عليها، وهي موسيقى وضعها الموسيقاراحمد مختار إلى جانب موسيقى سترافنسكي لتمنح العمل نكهة شرقية وروح جديدة، بالإضافة إلى نص العمل العربي الذي اعده الشاعر عبد الكريم كاصد الذي نجح في الحفاظ على فكرة العمل وألبسها روحاً عربية، بل عراقية عالية.. يسرد النص حكاية رمزية لجندي عائد من الحرب يلتقي الشيطان في الطريق إلى قريته،حيث يقنعة الأخير باستبدال آلته الموسيقية (الكمان الذي يرمز لروح الجندي) بكتاب يحملة الشيطان، فيه سر الثروة.
يمثل هذا العمل محاولة خلاقة للخروج بمنظور غربي شرق أوسطي جديد لعمل مسرحي موسيقي عريق من ثمار بدايات القرن العشرين. ويجيء هذا العمل كمؤشر على التعاون بين مؤسسة "موشن غروب" والمسرحَ الوطني العراقي حيث قامت جماعة (موشن غروب) المسرحية لأول مرة في تاريخ المسرح بالجمع بين فنانين أوربيين مع نظرائهم العراقيين من الممثلين والموسيقيين بقيادة الموسيقار العراقي أحمد مختار ومعد النص العربي الشاعر عبد الكريم كاصد. ويقول الممثلون العراقيون المشتركون بالعمل، وهم من نجوم الكوميديا في العراق، أو ما يعرف بكوميديا المواقف، بأنهم فرحون بفرصة العمل والتعبير عن الذات في مناخ خال من الخوفِ "نُريدُ أَنْ نقول إن الجنود في كل مكان أناس بلا حول ولا قوة وليسوا قادرين على صنع مصائرهم، عملنا هو نشر رسالة من اجل السلام، وصراعنا في هذه المسرحية صراع من اجل المحبة ".
يعرض العمل على مسرح أولد فيك اللندني العريق أحد اقدم مسارح لندن والذي يملكة الفنان الأمريكي الشهير كيفن سبيسي. ويقدم أولد فيك الذي كان يعرف قديماً بمسرح الممثل والذي مثل فيه العديد من عظام الممثلين في القرن المنصرم، منهم لورنس أوليفيير الملقب بعبقري الأداء التمثيلي، والمسرحي العريق جون غلغود وسيبيل ثورندايك، وفيفيان لي، وبيتر أوتول، عروضاً متنوعة تتراوح بين المسرح الكلاسيكي والمسرح الحديث.
تبدأ المسرحية عندما يقبل الجندي من الحرب عائداً إلى قريته، إلى أمة، وعندما يتوسط المسرح تصدح في الجو أغنية عراقية. الديكور عبارة عن فضاء مفتوح ومغبر، وجدار كبير هدم جزء كبير منة، وكأنة أصيب بقذيفة، في أقصى يمين المسرح يجلس الراوي العراقي إلى طاولة توحي بمقهى شرقي وفي الجانب الآخر من المسرح يجلس الراوي الإنكليزي إلى طاولة أخرى تمثل حانة. يؤدي دور الراوي العراقي الفنان فلاح الفليح والراوي الانكليزي الفنان البريطاني المخضرم جوليان غلوفر اللذان تواشجت لغتاهما في انسجام رائع ونادر. اذن يحتوي العمل على جنديان وجنرالان وراويتان.
أندرو ستيجل مخرج العمل الشاب يتحرك بأعصاب متوترة كل بضع دقائق ليتأكد من أن مدير موسيقاه، روبرت أونيل، و الموسيقار العراقي أحمد مختار، الذي وضع الموسيقى العربية على ما يرام. لقد قام قبل عام واحد تقريباً مع روبرت أونيل مدير الموسيقى بتقديم عرض للمسرحية لعب فيه الممثل الامريكي الشهير جيرمي آيرنز دور الجندي واستغلا هذه المناسبة لاطلاق مشروعا سمياه (مشروع العراق) حيث ذهب ستيغال إلى بغداد، رغم معارضة وزارة الخارجية، للبحث عن ممثلين. وعاد مرة أخرى إلى بغداد بصحبة أونيل، لكن السفارةِ البريطانيةِ أمرتهما بالخروج. فاضطرا لعمل اختبارات اختيار الممثلين في بيتِ لصدام يدعى البيت الأحمر في مدينةِ السليمانية الكردية. وقد استلهم المخرج هذا البيت في أعداد ديكور المسرحية. ويقول بهذا الصدد " لقد أفرغنَا المسرح وأخرجنا منة كل شيء، ولم يبق سوى الجدران العارية، التي عالجناها وصبغناها لتحاكي ديكور البيت. وفرشنا الأرضية بالرمل، لبث إيحاء بالخراب واللاشيء ولمنح المشهد لمسة شرق أوسطية. أما الرواة فقد أجلسناهما على الجانبين، جوليان في حانةِ إنجليزيةِ، وفلاح في مقهى عراقيِ حيث يقوم كل منهما بسرد قصته.
تتناول الحكاية مسالة الإحساس بالاغتراب والاستلاب التي يعانيها كل جندي على حدة واللذان يمثلان وجهان لحالة واحدة بحيث سيدرك المشاهد في النهاية أن الجنديين ليسا سوى جندي واحد. لقد تم تحوير المسرحية لتصوير الصراع القائم في العراق من خلال قصة الجندي الذي يدخل في ميثاق مع الشيطان على غرار ميثاق فاوست الذي يدخلة البطل -الضحية مع الشيطان، حيث يتحول الجنديان إلى عدوين يشعران بالبعد والاغتراب عن بعضهما البعض ولا يستعيدان روحيهما إلا بالتغلب على الشيطان. ويُوضّحُ المخرج ستيجل فكرة العمل قائلاً بأنها كناية عن بيع المرء لعقيدتة، وهي غواية شيطانية لو أتبعها المرء لقادته إلى الجحيمِ، لَكنَّه يَصرُّ على أنّ المسرحية لَيست جدلاً حول العراق بقدر كونها حكاية عن الخيارات الإنسانية، وهي فكرة شمولية قابلة للتطبيق في أي مكان. لذلك يمكن إسقاطها على وضع العراق بسهولة، خصوصاً إذا أردنا التحدث عن الخسران. فالجندي رمز الخسران في اللعبة مع الشيطان، مع الجنرال، يفقد أشيائه الحميمية واحداً تلو الآخر كمانه ( الذي يرمز إلى روحة)، عائلته، قريته أو بصرته وأخيراً رجولته عندما يجد أن خطيبته تعيش مع رجل آخر.
لقد عانى في الواقع جميع المشتركين في العمل من الفنانين العراقيين من هذه الحقيقة المرة، أي ألم فقدان المرء لاشيائة وعوالمه الجميلة، لقد عاشوا لوعة فقد الأصدقاء والأحبة، ولوعة الاغتراب داخل الوطن. وهم يعرفون جيداً معنى أن يكون المرء جندياً في العراق. ومؤلف موسيقى المسرحية مختار نفسه الذي أمضى السنين هارباً من جلاوزة صدام، بعد أن رفض الانخراط في جيشه، ينظر إلى العرض كشأن شخصي ويقول " أن في هذه المسرحية تتمثل قصتي، أما الجندي فهو يمثل الشعب العراقي الآن، ومثل كُلّ شخص آخرِ في فريقِ العمل، استمد مشاعري بشكل مباشر من تجاربي الشخصية".
لكن مختار يشعر بشيء من الخيبة لعدم التوازن الموجود بين الفريق الموسيقي العراقي المؤلف من ثلاثة عازفين فقط، والفريق الموسيقي الإنكليزي المؤلف من سبعة عازفين. وهو يعرف بان السبب في ذلك يعود لضعف التمويل، لكنه يشعر بالارتياح والقرب من موسيقى سترافنسكي التي يقول إن فيها روحاً شرقية عالية. ويتحدث مختار بأسى عن مركز الموسيقى الثقافية الذي كان يحلم بتأسيسه في بغداد. وقد كشف لنا عندما التقيته في ذروة التمرينات المشتركة عن بعض التوترات الناتجة عن أسلوب العمل وقال "لقد قلت لهم إن يكونوا حذرين ، فنحن لسنا بسياسيين، بل فنانين يريدون قول الحقيقة، ليكن هدفنا ليس إحراج توني بلير، رغم أني لا اتفق مع الكثير من طروحاته، بل التعبير عن آلامَ الشعب العراقي الذي عانى من ظلم صدام و الدكتاتورية كثيراً لأنها أكثر أهميَّةً."
(عن جريدة الاندبندت: ترجمة واعداد علي سالم)



