logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

مقابر على أنامل أحمد مختار

19 تموز 2004 - خالد القشطيني
المصدر: الشرق الاوسط
19 يوليو (تموز) 2004

الشرق الاوسط كان الزميل عبد الرحمن الراشد، قد اقترح على المثقفين العرب أن يسمعوا لصوت العراقيين، في ما كان يجري لهم ولبلادهم على يد صدام حسين وعصابته. قبل أيام سمعت المحامين العرب في الأردن يقولون إن حكاية المقابر الجماعية افتراء أمريكي لا غير. كل هذه الهياكل والجثث التي عثروا عليها بالمئات، قتلهم الأمريكان ودفنوهم ليتّهموا بها صدام حسين، أو ربما جاءوا بها من الخارج. تعاقدوا عليها مع إحدى الشركات العربية لتزودهم بها وتدفنها لهم لقاء أجرة معقولة. كلها فبركة أمريكية!.
استمعوا ـ يقول الراشد ـ لما يقوله العراقيون، وفي الأسبوع الماضي ذهبت لأسمع ما يقولونه، لم ينبعث صوتهم من حناجرهم، وإنما من أوتار العود العراقي في تلك المقطوعة المثيرة التي ألّفها وعزفها لنا لأول مرة الفنان المبدع أحمد مختار.
كانت حفلة نظمها معهد لندن للشرق الأوسط التابع لجامعة لندن بالتعاون مع مؤسسة برسمس، وجرت في قاعة بروناي. قدم فيها سلسلة من التقاسيم والمقامات شاركته فيها عازفة الفلوت اليابانية نوبوكو ميازاكي، والإيقاعية على الدف العازفة الانجليزية جويل باركر، انه مزيج عجيب من تراث اليابان وبريطانيا والعراق.
كان بين المقطوعات التي قدمها هذا العواد والمؤلف الموسيقي الشاب أحمد مختار، قطعة باسم «غياب»، قدم لها فقال، إنها حصيلة كل الكوابيس التي تنتابه يومياً عمّن غيّبهم صدام حسين في تلك المقابر الجماعية. تبدأ هذه القطعة بضربات هادئة حزينة سرعان ما تنتظم في إيقاع مسيرة جنائزية، مارش فونرال، انه إيقاع الحسينيات ولطم عاشوراء يلقيه في مقام الحجاز المدمي. انها مسيرة النساء والأطفال والرجال نحو حتفهم المحتوم. المقام المدمي الذي يصاحب مواكب المطبرين في يوم الطبق، يوم مقتل سيد شباب الجنة، الحسين بن علي. سألته: لكنك يا عزيزي أحمد كنت تقطع هذا النغم بضربات هستيرية اكليساندو على أوتارك، ما شأنها ومقصدها؟ قال إنها صرخات امرأة. صرخات ترددت في خيالي وهدت أعصابي وأنا انظر لصورة من صور شهداء هذه المقابر الجماعية. كانت صورة امرأة، أو بالأحرى الهيكل العظمي لامرأة تحتضن الهيكل العظمي لطفلها الصغير وقد التفت بعباءتها لتتستر على عظامها حتى في الموت. تركت هذه الصورة في نفسي اصداء مريرة لم استطع مقاومتها، فقضيت أشهراً طويلة أردد تلك الاصداء على أوتار عودي، حتى ولدت هذه القطعة «غياب»، انها تحيتي لكل من غابوا عنا في تلك المقابر. هذه مقطوعة جديرة بسماع من وصفوا المقابر الجماعية بأنها أكاذيب أمريكية. ربما يستطيعون ان يضيفوا إلى تصريحهم فيقولون وأحمد مختار هذا عميل أمريكي معروف، كلّفته الـ «سي آي إيه» بتأليف هذه القطعة.حين يتعلق الأمر بمعاناة الشعب العراقي فاعطوا العود لهذا العازف الشاب ليسمعكم أنينها وشجونها. واصل جمهوره التصفيق والهتاف حتى فرضوا عليه العودة إلى المنصة ليعطيهم «زوادة» من عزفه، وكانت مقطوعة «الطير» لمنير بشير. انه الشتات والتشرد الذي لم يذقه الاستاذ وعرفه وعاشه تلميذه حتى استقرت به أجنحته في لندن بين فلوت نوبوكو ودف جويل في ثلاثي رائع


Powered by PhPeace 2.2 alpha