logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

نغم من العراق

من هؤلاء الموسيقيين العراقيين المشردين،
24 أذار 2003 - خالد القشطيني
المصدر: الشرق الاوسط

في هذه الايام التي تسفك فيها دماء الابرياء في العراق، علينا ان نتذكر الابرياء الآخرين الذين هجرهم هذا النظام الشرير وشردهم الى شتى زوايا المعمورة. اخص بالذكر منهم كل هؤلاء الفنانين، رسامين ومغنين وموسيقيين وشعراء وادباء نابغين تركوا ديارهم ومستقبلهم في بلدهم وراحوا يتحملون حياة الشظف والحاجة والصدقة في شتى الاقطار والامصار. محنتهم محنة خاصة، فالاطباء والعلماء والمهندسون والحرفيون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. تتلاقفهم المؤسسات الغربية فور وصولهم. فالخريجون والمهنيون العراقيون عملة جيدة تحرص الدول على الاستفادة منهم، ولكن ما الذي يستطيع ان يفعله عازف الدمبركة او مغني المقام في باريس او لندن؟ من هؤلاء الموسيقيين العراقيين المشردين، عازف العود احمد مختار، استمعت الى عزفه في عدة مناسبات. واخيرا استمعت الى اسطوانته السي دي، «ايقاعات بغدادية»، التي ضمت مجموعة من الالحان الفولكلورية والارتجالات الشخصية، صاحبه فيها ضابط الايقاع البارع ستار السعدي. العزف المنفرد على العود متعة صعبة، وقلما يستطيع العازف ان يستحوذ على سماع الجمهور لأكثر من ربع ساعة. وتزداد هذه الصعوبة بالنسبة للمستمع الغربي. العود آلة رقيقة واطئة الصوت. غالبا ما تضيع بين الآلات الاخرى. اضطر الموسيقار سلمان شكر في كونسرتو العود والاوركسترا الى ايقاف الآلات الغربية في الحركة الثانية ليعطي العود فرصة ينطق فيها على راحته.
التجأ احمد مختار الى فتح باب آخر يدخل منه العود، جاء بزميل له، ستار السعدي ليصاحبه في العزف. ليس من المعتاد لمن يعزف العود ان يسمح للطبول والنقارات والاجراس ان تصاحبه. ولكن اختراع جهاز السنشساير الالكتروني فتح المجال للموسيقيين بادخال شتى الاصناف من الايقاع لمصاحبتهم، سمعت الكثير منها وضقت ذرعا بأكثرها، ولكن هذا العواد الشاب حظي بمعرفة موسيقي آخر لا يقل عنه روعة في العزف وحذقا في الابداع والتنويع، ستار السعدي. سماع ضرباته ليس متعة فقط، بل نعمة من نعم الله. للايقاع سحر عجيب على البشر. فمعظم الاعمال الموسيقية الخالدة من باخ الى بتهوفن الى كرت فايل كسبت قوتها وخلودها بفعل ما فيها من ضربات ايقاعية. يرجع سحر الايقاع الى دقات قلب الأم عندما كنا في بطنها. انها اول صوت التقطته آذاننا ونحن اجنة في ارحام امهاتنا في تلك المرحلة السعيدة الهانئة ورأسنا مستلق تحت قلبها. ومن المعروف والملاحظ، اننا عندما نواجه الازمات الشديدة نجنح للرجوع بفكرنا ومشاعرنا وحركاتنا الى تلك المرحلة الاولية الهانئة التي كنا فيها داخل الرحم.
تأثير الايقاع علينا يذكرنا بتلك المرحلة. اخرجت شركة يابانية اسطوانات تضم تسجيلا لنبضات القلب كما تسمع داخل الرحم، اعزفها لطفلك عندما يبكي ويعاني فتراه يرتاح ويخلد للنوم. كسب اليابانيون مئات الالوف من هذا التسجيل.الطبع لم يستوح ستار السعدي ايقاعاته مما سمعه في بطن امه. استوحى اكثرها من الرقصات الشعبية العراقية. وجدت بصورة خاصة مقطوعة الرقصة البدوية من اروع ما سمعته من آلات العود. ما زال كلا هذين الفنانين في مرحلة الشباب تقريبا وما زالا في اوائل مشوارهما الفني. ولكنني اتوقع منهما ان يغنيا الموسيقى العربية وآلة العود بأعمال ترفعهما وترفع موسيقاهما الى مستوى عالمي.

Powered by PhPeace 2.2 alpha