العود يعانق البيانو في لندن
لم تكن أمسية عازف العود المنفرد والمؤلف الموسيقي أحمد مختار مع روبرت كرانت؛ المؤلف البريطاني الشهير هي التجربة الوحيدة في الموسيقى العربية والغربية, لكنها بكل تأكيد المتميزة والأكثر تطوراً, فنوع المادة الموسيقية التي كانت من تأليفهما, وبناؤها الشرقي والروح الغربية تارةً و تارةً أخرى العكس, إضافة إلى التمازج العالي بين البناء والروح, جعلها متميزة, كما أن الإتقان والتنفيذ الدقيق الذي جاء جراء التدريب الطويل جعلها الأكثر تطوراً, إضافة إلى ميزة مهمة هي أن المؤلفات كانت جادة ومكتوبة خصيصاً للعود والبيانو.
على غرار الأمسية التي قدمت مؤخراً على مسرح جامعة لندن برعاية وتنظيم جامعة كنكس الموسيقية كان معهما هذا الحوار:
- روبرت كرانت...كيف اتجهت الى آلة العود الشرقية وكيف تعرفت عليها رغم اختصاصك الذي هو بالضفة الأخرى لعالمها؟
آلة العود كماهومعروف شرقية, لكنها انتقلت عبر الأندلس إلى أوروبا خلال القرن السادس عشرالميلادي لتقديم موسسيقى الصالونات, ثم مرت بمراحل تطور عديدة وأجري تعديل على أوتارها وطريقة دوزنتها حتى أصبحت كماهو معروف آلة اللوت اليوم, ذلك يعني أنها ليست غريبة على ثقافتي الغربية, بل العكس, لعلها من صلبها, فهنالك أربعة قرون من العمل مع هذه الآلة جعلتنا نحفظ تاريخها وأعمالها التي كتبها موسيقيون كبار وندرس العزف عليها في معاهدنا. وأنا من وجهة نظري فأن التعامل مع الآلة الأصل, وأعني العود, هو أمر مهم... في الموسيقى البريطانية على الأقل.
- مختار..كيف ترى إستقبال الغرب لآلة العود؟ وهل تقديمها مع آلة البيانو يساهم بتعريفها؟
الإقبال بشكل عام جيد, خصوصاً بعدما أسس سفير العود منير بشير لهذه الآلة في أوروبا منذ منتصف السبعينات, حيث قدمها بشكل يتناسب مع حجمها التاريخي, ومحاولاتي تأتي تكملة لهذا المشوار, حيث أقدم العود باللغة التي تتناسب والعصر الحديث, وبطريقة تناسب الذوق العالمي, كماإنني حريص على تقديم نبذة عن هذه الآلة في كل بلد أقدم إليه للمرة الأولى, والإقبال متفاوت ويعتمد على ثقافة البلد الإنفتاحية, فمثلاً جمهور العود في فرنسا وبريطانيا أكثر من االجمهور في النروج أو فنلندا, وذلك بسبب الإنفتاح الذي يوجد في كل من بريطانيا وفرنسا.
-روبرت كرانت...كيف تعرفت على أحمد مختار؟ وماهو الشئ الذي جذبك في عزفه؟
عرفت الكثير من العازفين المصريين والعراقيين والأتراك من خلال الإستماع لأعمالهم, وقد جذبني الأسلوب العراقي في العزف لما يحمل من السمات التقنية والروح التعبيرية بشكل يتميز عن المدارس الأخرى, وكنت أتمنى أن أقدم شيئاً مع الفنان منير بشير, وبالفعل تحدثنا معاً في مشروع من هذا القبيل, ولكن الوقت لم يسمح لنا بتقديمه. بعد ذلك إستمعت في باريس ولندن لعازفين آخرين حيث كنت أحرص على حضور حفلات العود جميعها، وبعد الإستماع إلى أربع حفلات قدمها مختار بين فرنسا وبريطانيا وقع اختياري عليه ودرست أعماله التي كتبها للعود والمسجلة على إسطوانتين. أهم ميزة جذبتني إليه إنه يتعامل مع آلة العود بشرقية عالية, جاذباً إليه التقنيات العالمية التي لاتؤثر على مسار شرقيته, بعكس الآخرين الذين يستخدمون العود مثل الجيتار أوبتقنيات غربية أخرى لاتصلح للعود حيث عندما إستمعت إليهم وجدت أن بضاعتنا قد ردت إلينا.
- مختار...مامدى أهمية المشروع الموسيقي الذي قدمته مع روبرت كرانت وكيف تعاملت معه؟
أهمية هذا المشروع تأتي من توقي الكبيرمع الكثير من الفنانين والأدباء في العالم العربي لتقديم موسيقى أو أي عمل فني يُحكى عنه تحت سماء الفكر والفن, وأيضاً لكي نعايش فن العصر ولكي نكون مرآة لشعبنا العربي ونحمل على عاتقنا تراثه الفني ونقدم آلة يمتد تاريخها إلى آلاف السنين, حيث لابد من مخاطبة الآخرين بأدوات الإبداع والفن الذي يفهمونه, ولكي نوضح أننا اصحاب حضارة حملت مشعلاً إستنار به العالم ذات يوم ومازلنا قادرين على لعب الدور نفسه. إن صورة العربي لدى الآخر مع الأسف ليست على ماهي عليه من الحقيقة, لأروي لكم هذه الحادثة: بعد أن انتهيت من العزف في إحدى المهرجانات في النمسا وقف أحد الأشخاص وردد بصوت عالٍ جملة باللغة النمساوية "الجرمانية" التي لاأفهمها ثم اتجه نحوي ليصافحني بينما صفق لكلمته جميع الحاضرين, وقد عرفت بعد أن ترجمها لي صديق أنه قال مانصه: "إن شعباً يمتلك هذه الموسيقى وهذه الآلة العريقة لايستحق أن يقصف بالطائرات" وكان يقصد بذلك العراق.
بناءً على هذه الحادثة أريد أن أشير الى أن لغة التخاطب مع الآخرين ليست بالضرورة أن تكون مشابهة للغة التخاطب فيما بيننا, وهذا سبب مهم من وجهة نظري لتقديم مثل هذا المشروع.
أما عن روبرت, فبصراحة أي شخص يتمنى أن يعمل معه, فهو مؤلف وموزع موسيقي -أصوات وآلات- مهم جداً وله ثلاثة كونشيرتوات والعديد من الأعمال الموسيقية الأخرى, وأنا محظوظ لأنه اختارني، فهو كماقلت مؤلف مهم وسوف يكون له شأن كبير وسيتوقف تاريخ الموسيقى الغربية في محطته كثيراً, وأكررهو من اختارني لأن فرصتي أنا في الإختيار ضعيفة.
- روبرت...كيف تصورت التأليف الموسيقي؟ هل هو قرار تتخذه عندما تريد التأليف أم ماذا؟
لعل أول مايتبادر إلى أذهان الناس هو الإلهام ودوره في التأليف الموسيقي, فالشخص العادي يصعب عليه دوماً أن يدرك طبيعة عملية التأليف بالنسبة للمؤلف ولايميل إلى وضع نفسه مكانه وتصور المشاكل التي تحيط به, ومن ضمن ذلك ألإلهام,كما ينسى أن التأليف شأنه شأن تأدية أي وظيفة أخرى, إنه كالأكل والنوم بانسبة للمؤلف. إن التأليف بالنسبة للمؤلف كمن يخاطب نفسه. إنك لاتذهب الى النعاس, ولكنك عندما تشعر به تذهب إلى النوم ولاتبقى ساهراً..أليس كذلك؟
- روبرت...هل تضمنت أعمالك السابقة عناصر أو شيئاً من الموسيقى العربية؟
لانستطيع أن نقول عناصر ولكن إيحاء من الموسيقى الشرقية بشكل عام حيث استفدت من استماعي للموسيقى التركية والهندية لأنها تحمل نفس المقامات والإيقاع, وأحاول ألأنطلاق خارج حدود الموسيقى الأوروبية والتوسع بالمدارك السمعية حيث شملت إهتماماتي الموسيقى العربية والشرقية بشكل عام, وانا لست الوحيد في ذلك, فقد سبقني مؤلفون كبار مثل رحمنينوف وكورسكوف وآخرين.
في الموسيقى العربية أشياء لانستطيع أن نحصل عليها من أي موسيقى أخرى منها نوع الإيقاعات والتقاسيم ذات الخصوصية العربية, فقد إستمعت إلى عازفي كمان عرب لديهم طريقتهم الخاصة في التقاسيم وروحيتهم الشرقية, منهم جهاد عقل-فلسطيني- من لبنان وعازفي قانون مثل صالح عبد الحي وسالم حسين وحسن فالح.
- روبرت...هل يتشابه المؤلفون في التقنيات ويختلفون في الإلهام؟ وهل للعفوية والطبيعة دور في المساعدة على إنتاج مؤلف مهم من الناحية الجمالية والتقنية؟
هنالك ثلاثة أنماط من المؤلفين المختلفين من وجهة نظري, كل منهم يتخيل ويرى الموسيقى على شكل يختلف عن الآخر.
النمط الأول الذي يلهب خيال المتلقي ويساهم في خلق عالم ذي تصورات موسيقية عميقة وهو الذي يأتيه الإلهام عفوياً -ذلك لأن جميع المؤلفين ملهمون بطبيعة الحال-
والثاني هو نمط الموسيقي البنّاء, أي الذي يعمد إلى البناء والتشييد في جمله الموسيقية, إذ يبدأ المؤلف في هذه الحالة بموضوع موسيقي ينطلق منه ويجعله فكرة أساسية يشيد عليها هيكل العمل الموسيقي.
أما النمط الثالث فيمكن تسميته بالنمط التقليدي, وهو الذي يولد في فترة معينة من تاريخ الموسيقى ويتبع أسلوب تلك الفترة بالشكل والمضمون ولايعتمد على درجة الألهام, بل على التقنية في أكثر أعماله ويكون الألهام في تلك الأعمال ثانوياً رغم توافره بدرجة ما لدى صاحبها.
- مختار... كيف ترى التأليف في الموسيقى العربية وهل الآلة تلعب دوراً في نوع المادة المؤلفة؟
إنني أتفق مع الأستاذ روبرت حول ماقاله من حيث الألهام والعفوية في التأليف, ولكن ليس بهذه السهولة التي تحدث بها وخصوصاً عملية طرح هذه المؤلفات, وربما يعود ذلك إلى إختلاف نوع الموسيقى التي نعزف, فالبيانو مثلاً يمتلك كل العلامات الموسيقية في جميع الأوكتافات, وهذه العلامات جاهزة تصدر صوتاً بمجرد مسها ولاتحتاج إلى الصعوبة التي نواجهها في إصدار النغمة في العود مثلاً, ناهيك عن أن العود لايحتوي على جميع الأوكتافات الموسيقية مثل البيانو, ومن هنا نجد صعوبةً أكثر في التعبير عن الفكرة, خصوصاً إذا كان المؤلف الشرقي يمتلك قدرة سماع هارمونية متعددة الأصوات, ويريد أن يقدمها, فإن آلة العود لاتساعده على ذلك.
حول التأليف في الموسيقى العربية, ذكرت في أكثر من مناسبة أن حصة الأسد فيها للغناء وليس للتأليف الموسيقي الصرف -من دون كلمات- وذلك يعود لأسباب ثقافية كثيرة لامجال لها الآن, أما في العصر الحديث فباستثناء مؤلفات العود الخاصة, فإن القطعة الواحدة تعزفها جميع الآلات الموسيقية العربية ولاتوجد خصوصية لها, لكن في الموسيقى الغربية هناك كونشرتو للكمان وكونشرتو للبيانو وآخر للفلوت...إلخ. هذا يعني أن، لكل قطعة موسيقية خصوصية لاتصدرها بشكل دقيق وكامل إلا آلة واحدة مناسبة ويسمى بإسمها. طبعاً هنالك مؤلفات عميقة وجيدة في الموسيقى العربية, ولكنها قليلة قياساً للكم الهائل من الغناء.
- روبرت... هل تؤمن بأن آلة البيانو يمكن أن تتحول إلى الموسيقى الشرقية وتعزف مؤلفاتها؟
لااعتقد أن التجربة ناجحة أو سوف تنجح, رغم أنني سمعت من مختار عن بيانو حولت مفاتيحه إلى شرقية لكي يعزف ربع التون الشرقي والألحان العربية, لكن ذلك سيحول البيانو إلى آلة تعزف لحناً واحداً وسوف تتعوق عملية الهارموني, أي تعدد الأصوات وتتغير النظريات التي وضع على أساسها التوزيع الصوتي للآلة, أضف إلى ذلك أنها وضعت لعزف الروح الغربية.
- روبرت... إلى من تستمع من الموسيقيين والمغنين في الموسيقى العربية؟
أم كلثوم, فيروز, أسمهان وإلى مطرب حديث أعطاني أعماله المختارة هو كاظم الساهر, ومن الموسيقيين توفيق الباشا اللبناني وجمال عبد الرحيم المصري ودلشاد وفريد الله وردي من العراق.
- إلى من يستمع مختار من الموسيقيين الغربيين والعرب؟
أستمع إلى كل أعمال العصر الرومانسي؛ بيتهوفن, شوبيرت, شوبان, مندلسن, ومؤلفي القرن العشرين يناجك ومايكل تبت. أما من العرب فأستمع إلى أغلب الأعمال والإنتاج الموسيقي لأتعرف على نوعه. ولكن لو سألتني من أتذوق من الموسيقيين, أقول لك منير بشير وخالد محمد علي من العراق, أنور إبراهيم من تونس, عبد الرحمن الباشا من لبنان وجهاد عقل وآخرين أيضاً.
- روبرت.. ماهي مشاريعك المستقبلية؟
هنالك أعمال كالكتابة لآلات شرقية مع البيانو ومع الأوركسترا والكثير من المشاريع التي لاأود الإفصاح عنها إلاّ في حينها.
- هل منها مايشمل الموسيقى العربية أوالعود؟
نعم
- روبرت.. هل سبق وأن زرت بلداناً عربية؟
نعم زرت مصر وتونس والمغرب ولبنان وقمت بزيارة قصيرة جداً إلى دبي واطلعت على بعض مافيها من إنتاج موسيقي.
- مختار.. ماهي مشاريعك؟
سوف أنتهي من تسجيل إسطوانة جديدة, وأشترك في مهرجان عالمي مهم في اليونان. وهنالك ماهو جديد في برنامجي الموسيقي"حديث العود" الذي أقدمه من قناة المستقلة, وسأقدم تجربة جديدة في العود والإيقاعات ستكون غريبة بعض الشئ, وأعد لإنجاز قطع مخصصة لتصدر مع البيانو في إسطوانة, وسوف تكون أول إسطوانة للعود والبيانو.
وفي إطار إختياري مع 16 موسيقيا من العالم لإصدار إسطوانة لمنظمة حقوق الإنسان سأشترك في حفل موسيقي يقام في جنيف نقدم فيه أعمالنا جميعاً.
- مختار.. هل تنوي تقديم تجربتك في البلدان العربية؟
طبعاً, إذا وجهت لي الدعوة.
أنوي الذهاب الى بلدين عربيين في مطلع السنة المقبلة لتقديم بعض الأمسيات على العود المنفرد فقط.



