logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

عن أمسية النواب ومختار في زيورخ:همٌّ عربي وحزنٌ عراقي "مؤبد"

وتضفي الطريقة المميزة التي يلقي بها النوّاب قصائده جمالية فريدة من نوعها على الشعر إذ يقدم بعض المقاطع بطريقة "ممسرحة" لكنها منسابة، عفوية، تلقائية، مطلقة إلى حدٍ بعيد، ويقدم بعضها الآخر مغنّى بصوته الشجي المشحون بالطرب الحزين يعزز ذلك ثقافته الفنية الواسعة ومعرفته بالإيقاعات الموسيقية، وهنا يأتي التناغم والمحاكاة بينه وبين عود مختار الذي رافقه على مدى ساعتين عزفاً على العود، حيث كانت ريشته تكيّف الأوتار وتصدح بالأنغام فترفع درجة التوتر والإنشداد للشاعر، وربما تلهمه في إختيار بعض القصائد
2 شباط 2002 - جواد الساعدي
المصدر: جريدة القدس

القدس 2 أقام المركز الثقافي العربي السويسري في زيورخ – سويسرا مساء السبت الموافق 2\2\2002 أمسية موسيقية شعرية للشاعر الكبير مظفر النوّاب والفنان أحمد مختار، وذلك على مسرح قاعة بيت الثقافة في مركز المدينة، وقد غصت القاعة بالحضور العربي والسويسري حيث حضرها جمهور غفير من العرب المقيمين ومجموعة كبيرة من الفنانين والشعراء والمثقفين السويسريين، بينهم الشاعرة إيلما راكوزا أستاذة كرسي الأدب الحديث في جامعتي زيورخ وبرن.
ولدى دخول النوّاب ومختار يصاحبهما رئيس المركز الشاعر علي شلاه صفّق الحضور لدقائق عديدة وقوفاً كتحية للشاعر الكبير.
افتتحت الأمسية بكلمة لرئيس المركز رحّب فيها بالحضور باللغتين العربية والألمانية ثمّ قدّم الفنان مختار قائلاً عنه "انه فنان لا يحتاج إلى الثناء، بل إلى الإصغاء" وبعد أن عزف مختار مقام شرق رست نال إعجاب الحاضرين من العرب والسويسريين قدّم الممثل السويسري باول دورن ثلاثاً من قصائد النوّاب كان ترجمها إلى اللغة الالمانية الشاعر السوري أكثم سليمان هي: في الحانة القديمة، آدم حاتم، والمخبر، يرافقه في ذلك عود مختار حيث نالت طريقته في العزف مع القصائد باللغة الألمانية إعجاب الحاضرين من السويسريين، فضلاً عن العرب، بينما نالت طريقة إلقاء الممثل السويسري دورن لقصائد النوّاب إعجاب الجمهور العربي وإعجاب النوّاب نفسه الذي عبّر عن ذلك لدى إعتلائه المنصّة بقوله أمام الجمهور: "كنت أشعر أنني أنا من كان يقف هنا وراء هذه المنصة".
سبق إعتلاء النوّاب للمنصة تقديم رائع من الشاعر علي شلاه أنصف فيه النوّاب حين قال: "هذا شاعر لا ينصفه شيء" ثمّ خاطبه قائلاً: "أيها الكبير أبا عادل: تفضل فإن قصائدك خير من يتحدث عنك".
ولدى نهوض النوّاب ضجت القاعة مرةً أخرى بالتصفيق الحاد ووقف الحضور إجلالاً لهيبة الشاعر الذي طالما عبّر عمّا يدور في "الخلجات الممنوعة" على إمتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وشكّل لجماهيره رمزاً للثبات في مواجهة القمع والإرهاب والتسلّط.
تنقّل النوّاب في قراءاته بين القديم والجديد من قصائده وبين ماهو بالعربية الفصحى وماهو بالعامية العراقية فكان يبكي الحاضرين تارةً بما يكتنزه المقطع الواحد لديه من شحنات عاطفية تصدم المتلقي وتفجر لديه حزناً دفيناً بين دفتي غربتين، غربة الوطن ووطن الغربة.وتارةً أخرى كان يضحكهم ،حتى قبل أن يمسحوا دموعهم، بسخريته اللاذعة التي يقف وراءها حسٌ صادق وعينٌ شاعرية لاقطة تذهب بعيداً في تفاصيل الحدث وتقدمه بصور شعرية مختصرة، لكنها مكثفة، لاهبة، قادرة أن ترفعك من مكانك إلى الفضاء البعيد ثم تتركك وحيداً ترتطم في الأرض ليتحرك فيك الراكد ولا يركد فيك، أبداً، ما هو متحرك.
لم نكن نشعر، نحن الحضور، أن مظفر النوّاب كان مجرد شاعر يقف وراء المنصة، بل كان صقراً، يوسع السماء بجناحيه، ويحملنا عليها فيأبى أن يحط بنا على جيف الذل والتخاذل، كان تعبيراً حياً عن نبض عربي وإنساني يمتلك إصراراً طفولياً على تدمير عالمنا المشوه وإعادة تشكيله ناصعاً كقلوب الأطفال:

اللهم ابتدىء التخريب الآن"

فإن خراباً بالحقِّ، بناءٌ للحق

هذي الأمةُ

لابدَّ لها أن تأخذ درساً

"في التخريب

في أمسيات مظفر النوّاب لا يمكن أن يخيّم الصمت على الحاضرين، ليتسرب إليهم الملل بانتظار لسعة ما باردة في خواتيم القصائد كما هو معهود في الكثير من الأمسيات، فكلماته لسعات حارة، ومقاطعه قصائد تثير إرتجاجاً، وقصائده ملاحم وأمواج تنحت المتصخر وتسقي المتصحر، أمّا دموعه واختناقه بالعبرات وهو يلقي قصائده عن محمد الدرّة وسليمان خاطر أو خالد أكر، فشرطها "حدّ الجفن" لأنها دموع شامخ فخور بأبطال أمته، لا دموع مترحم يائس.وتضفي الطريقة المميزة التي يلقي بها النوّاب قصائده جمالية فريدة من نوعها على الشعر إذ يقدم بعض المقاطع بطريقة "ممسرحة" لكنها منسابة، عفوية، تلقائية، مطلقة إلى حدٍ بعيد، ويقدم بعضها الآخر مغنّى بصوته الشجي المشحون بالطرب الحزين يعزز ذلك ثقافته الفنية الواسعة ومعرفته بالإيقاعات الموسيقية، وهنا يأتي التناغم والمحاكاة بينه وبين عود مختار الذي رافقه على مدى ساعتين عزفاً على العود، حيث كانت ريشته تكيّف الأوتار وتصدح بالأنغام فترفع درجة التوتر والإنشداد للشاعر، وربما تلهمه في إختيار بعض القصائد. لقد كان ذلك سباقاً بين تفعيلة الشعر و"تفعيلة" الموسيقى، لكنه ليس سباق التوازي بل سباق للتلاقي، سباق يتعانق فيه الهم العربي ويتعانق فيه الحزن العراقي، ليس بين جيلين فقط هما جيل النوّاب وجيل مختار، إنما الحزن العراقي المتصف بالديمومة منذ...
يبقى هنا أن نشير الى الجهود الكبيرة التي بذلها رئيس المركز الشاعر علي شلاه والأعضاء الآخرون في المركز، والتي إنعكست نجاحاً للأمسية يضاف الى النجاحات التي يحققها المركز في تنظيمه للفعاليات الثقافية على إمتداد سنوات ست سابقة جعلت منه بوابة لتعريف المجتمع السويسري بالثقافة العربية وجسراً للتواصل والتفاعل مع الثقافة الغربية وكدليل على البعد الأنساني في ثقافتنا العربية وانفتاحها على الآخر من خلال الفهم الصحيح لعملية التوازن بين الأصالة والتحديث.

Powered by PhPeace 2.2 alpha