logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

عازف العود أحمد مختار مكتشف مقام الكندي لـ "الصباح التونسية":

لولا تونس وبغداد لضاع التراث الموسيقي العربي العباسي والأندلسي...المقام الذي اكتشفته لم يعزف من قبل ولم يذكر في المؤلفات القديمة أوالحديثة
30 تشرين  الثاني 2006 - حوار كرم نعمة
المصدر: جريدة الصباح التونسية

التونسية تعد تجربة عازف العود العراقي المقيم في لندن أحمد مختار امتداداً لمدرسة العود العراقية المتميزة والمعروفة بخصوصيتها، وفي هذا الحوار الخاص بالصباح نطلع على تجربة هذا الفنان الذي ينتظر أن يقدم فنه الموسيقي إلى الجمهور التونسي.

-كيف مررت بمراحل تعلم الموسيقى والعود وماذا عن نتاجاتك خلالها؟

البداية كانت في العراق في سن مبكرة، وفي هذه الفترة علّمت نفسي بنفسي العزف على العود والإيقاع، وبعد ذلك بمساعدة أحد الأصدقاء الموسيقيين دخلت المعهد لدراسة الموسيقى ببغداد وتخصصت في آلة العود. من أهم أساتذتي غانم حداد، وهو، بعد جميل ومنير بشير وسلمان شكر، التلميذ الرابع لمؤسس المدرسة العراقية للعود: الشريف محي الدين حيدر. بداياتي لم تكن خارقة للعادة كما يصف بعض الموسيقيين بداياتهم، فقد كنت طالباً بسيطاً من مدينة شعبية فقيرة في بغداد إهتم أبناؤها بالشعر والرسم والموسيقى والمسرح، وأنا كنت مهتماً بالعود والموسيقى وكان مثلي الأعلى جميل بشير ومنير بشير. بعد مرور سنتين على دراستي نصحني الأساتذة بالإهتمام والتركيز على العزف المنفرد وبعد ذلك عرفت انهم رأوا بعض مبادىء العازف المنفرد لدي. قدمت بعض الأمسيات في العراق ووضعت بعض القطع الموسيقية، ولكن لم أطلع عليها أحداً. إنتقلت إلى سوريا ودرست آلة العود هناك، وفي نفس الوقت درست على يد الخبير الأذربيجاني سليمان عسكر أسلوب العزف المنفرد. عملت مع فرق مهمة هناك وخلال إقامتي قدمت العديد من الأمسيات أيضاً واشتركت في مهرجان القاهرة ومهرجان مجمع الموسيقى العربية في دمشق. بعد ذلك انتقلت إلى لندن حيث أدرِّس آلة العود الآن وأقيم. درست تقنيات الموسيقى في جامعة لندن، حصلت على جائزة إتحاد الموسيقيين البريطانيين 1999 عن عملي أسطوانة (كلمات)، وأنتجت أسطوانة أخرى بعنوان (تجوال). زرت عواصم كثيرة من العالم وقدمت الموسيقى العربية والعود من خلال أمسيات العزف المنفرد الخاصة والمحاضرات، ومن خلال مشاركتي في المهرجانات، مثل مهرجان الموسيقى العالمية في بريطانيا ومهرجان اللوت الدولي في اسبانيا ومهرجان الموسيقى التقليدية في النمسا.

-ماذا عن مقام (الكندي) الذي اكتشفته ضمن مؤلفات الكندي الموسيقية، وقد عرف عنك إهتمامك بهذا الموسيقي والفيلسوف؟

لقد وجدت بالفعل مقاماً منسياً بين مؤلفات الكندي الموسيقية، وذلك خلال دراستي لأعماله وبحثي في مؤلفاته، وبعد أن طبقت كل المقامات التي ذكرها في مؤلفاته الموسيقية على آلة العود وجدت وبالصدفة أن المقام المعني لا يشبه أيَّ مقامٍ آخر، فدفعني ذلك للتأكد من حقيقة هذا المقام، وخلال سنتين تقريباً كنت أبحث عنه أو على مثيل له في كتب ومؤلفات الموسيقى العربية القديمة للفارابي وابن سينا وصفي الدين البغدادي وغيرهم، كذلك في الكتب الحديثة الصادرة من بغداد وتونس والقاهرة ودمشق. بعد التأكد من عدم وجود هذا المقام في كل هذه المؤلفات تمرنت عليه جيداً وعلى مسافاته ووضعت له مقدمة موسيقية من روح المقام وروح عصره وقدمته إلى مركز الدراسات الشرقية في لندن، بعد الدراسة والتدقيق من قبل أساتذة متخصصين أيدوا صحة ما قدمت لهم بأن المقام لم يعزف من قبل ولم يذكر في المؤلفات القديمة ولا الحديثة قط عدا مؤلفات الكندي، وهو أول الفلاسفة العرب المنظرين الذين تحدثوا عن الموسيقى. المقام اسمه (المشرقي) ونحن أطلقنا عليه مقام (الكندي) إعتزازاً بفيلسوفنا الكبير. يتكون المقام من سبع علامات موسيقية ويحتوي على جنسين رئيسيين هما الحجاز والعجم وهنالك جنس متداخل هو النهاوند.

-كيف يحدد وقت الإستماع للمقامات، وقد جاء في الكتب القديمة أنها صنّفت حسب الأوقات وهل تلتزم بذلك؟

يجب أن نتفق أولاً أن الموسيقى هي التي وضعت القوانين والقواعد والأسس وإن الأخيرة إستُخرجت منها، أي أن الموسيقى موجودة قبل الأسس النظرية ودليل رأينا هذا تأخر العروض التي جاءت بعد الشعر بكثير، واللغة العربية التي جاءت قواعدها متأخرة بقرون.

بعد أن تصبح الموسيقى ممارسة روحية يومية وحالة تعبيرية تلازمنا حتى في المنام وفي أرقى الحالات والعواطف عمقاً يدر القلب بما يريد فعله روحياً مع كل مقام ومع كل جملة ويتصرف وفقاً لذلك، مع الإتفاق على أن الإنسان هو الذي وضع المفاهيم وهو القادر على التصرف فيها، خصوصاً إذا كانت غير مباشرة وحسية روحية مثل الموسيقى. لقد ذهب الفلاسفة في العصور العربية الإسلامية الذهبية إلى تصنيف المقامات حسب الأوقات فعلاً، ونقلاً عن ابن سينا يقول:

ينبغي أن يلحن وقت الصبح الكاذب بـ (رهاوي) ووقت النهار ووقت الصبح (بحسيني) وعند إرتفاع الشمس قدر رمحين بـ(رست) وهكذا فعل قبله الكندي وكذلك بعده صفي الدين الأرموي البغدادي، وهذه النتائج أو التقسيمات جاءت من التجارب والمراس مع الموسيقى، وتجارب المستقبل والمراس الموسيقي كفيلان بكسر أو تجاوز تلك القواعد، علماً أنني أتبع قلبي ومشاعري مع ما أحب وأحس من الموسيقى رغم أنني تربيت على تعلم الموسيقى العربية ومقاماتها بطريقة صارمة بدون السماح لي بالخروج عن القواعد إطلاقاً، وتتلمذت على يد أساتذة معروفين بتعصبهم لأسس وتعاليم الأولين ولكنني أتمرد على ذلك طلباً للمزيد من الحلم الإنساني الذي لا يحده ولا يقيده غير المحبة الإنسانية، لذلك خرقت هذهِ القواعد إلى فضاءات أخرى.

-الشفافية من ضمن ميزات عزفك التي ذكرها الناقد مايك ستيورد، السؤال هنا، عنصر الشفافية في الموسيقى هل هو مهمة المؤلف أم العازف؟

عنصر الشفافية بالدرجة الأولى مرتبط ببناء المؤلف الموسيقي وهيكلية البناء اللحني والتحول المقامي من جهة وهيكلية البناء الإيقاعي من جهة أخرى، بمعنى آخر مرتبط باللحن، لكن للأداء الدور الأكبر في إظهار هذه الشفافية، يعني إذا لم يكن العازف المنفذ يفهم ويتحلّى بروح الشفافية لا يستطيع تجسيد قطعة تحمل هذه الروح، العازف الجيد يجب أن يدرك ويحس ويقرأ ماوراء السطور، لكن الأساس هو المؤلف وعمله التأليفي، وأرقى حالات العمل هو توفر العناصر المشتركة بين التأليف والعزف.

-في أسلوب مرافقتك الموسيقية للشعر، ما هي الأسس العملية التي تستند عليها؟

هنالك علاقة عميقة وقديمة بين الشعر والموسيقى تبدأ من وجودهما الأول، وأقصد هنا الموسيقى العربية، وإذا عدنا إلى التاريخ العربي وشعرائه نجد الكثير منهم من أنشد شعره على أنغام الموسيقى منذ بن الحارث والأعشى الذي لقب بصناجة العرب، هذا الإدراك الحسي المبكر للعلاقة العميقة بينهما دفع الشاعر باتجاه الموسيقى وكذلك الموسيقى باتجاه الشعر، ومنذ زمن بعيد وإلى يومنا هذا فإن الشاعر العربي لا يقرأ قصائده، بل ينشدها. التجارب التي سبقتني لاتؤكد على أن هنالك أسلوباً للمرافقة مستقلاً بذاته، بل تؤكد أن المرافقة الموسيقية كانت تابعة لمجريات الحدث الشعري، أي كيف ما اتفق، ويحدث هذا أثناء الأمسية، وهو عامل مهم بلا شك، ولكن ليس جوهر العلاقة، لذا سوف أتحدث عن تجربتي الخاصة هنا وعن الأسس التي استنتجتها لصياغة أسلوب مستقل يمكن للعازف الماهر ذي المعرفة الجدية بالعروض والألوان الشعرية العمل به. هذه الأسس باختصار تعتمد على الربط بين الوزن الشعري (البحور والتفعيلة)، الوزن الموسيقي (الزمن الإيقاعي)، الطبقات الصوتية في إلقاء الشاعر، وبين النغمات والمقامات، وأيضاً بين إحساس القصيدة العام وإحساس العمل الموسيقي. على هذه الأسس أستطيع تسمية هذا الأسلوب بـ (المحاكاة) وهذا الأسلوب يضمن سير العمل بتوازٍ وتآلف لا يقلل من أهمية أيٍّ منهما، ولي مؤلفات موسيقية مستوحاة من قصائد ومبنية على تلك الأسس مثل (الطائر) و(رثاء النخيل) من قصائد لمظفر النواب و(بداية حب) لمحمود درويش و(خواطر ليلية) لبلند الحيدري وأعمال أخرى، وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا الأسلوب يختلف كلياً عن القصيدة المغناة لأن عدم الإطلاع الكافي على هذا الأسلوب يوهم بالإلتباس.

-هنالك تجربة ملحوظة لآلة العود في تونس كيف ترى هذه التجربة وما مدى متابعتك لها؟

ذكر أستاذنا الكبير روحي الخماش في العراق في معرض حديثه عن تاريخ الموسيقى أن "بغداد وتونس هما المدن الأكثر حفاظاً على التراث الموسيقي العربي" حتى أنّه قال بصراحة: "لولاهما لضاع التراث العربي العباسي والأندلسي" وأكد ذلك في سوريا الأستاذ خضر جنيد في أحد الأحاديث، ونحن نؤمن بذلك كلياً بعدما أطلعنا على دورهما في التاريخ حتى يومنا هذا، لذلك لابد من وقفة طويلة ودراسة معمقة تتناول هذه التجربة، وإذا كان لابد من الحديث فسوف أشير هنا وبشكل سريع إليها، وليستميحني عذراً أساتذتها ومبدعوها من السهو والخطأ. سمات هذه التجربة موجودة فيها على الدوام وميزاتها كانت بحاجة لمن ينتجها بشكل عصري يتناسب ودور الموسيقى في تونس وتطور جوانبها الفنية والثقافية، وهذا ما يحدث اليوم، ومن أهم هذه الميزات التلون الإيقاعي المركب وثراء موازينه، وهذه خصوصية لم نجدها إلا في دول قليلة. وتبقى التجربة في تونس لها نكهتها في هذا الجانب وهناك أعمال أتذوقها بشدة لعازفي عود من تونس صنعوا أسماءهم بإبداعهم فقط لا غير مثل أنور إبراهيم، وأتابع بإهتمام ما يصدر من أعمال تونسية على العود والموسيقى بشكل عام، ولدي رغبة شديدة لزيارة هذا البلد العميق موسيقياً وثقافياً.

-ما رأيك في الألقاب التي تطلق على الموسيقيين، خصوصاً عازفي العود، وهل حدث وأطلق عليك لقب ما؟

هنالك ألقاب أو أسماء تطلق على الموسيقيين، وهنالك موسيقيون يطلقون على أنفسهم الألقاب مثل ملك العود أو أمير العود أو سلطان العود، وهذه تسميات تسلطية أو سلطوية بعيدة عن شفافية العود وجمالية الموسيقى وإنسانيتها. ورغم أنني سميت بشاعر العود من قبل الكاتب معتصم ازيرق، وهو إسم حالم أو رومانسي كما أعتقد، إلاّ أنني لم أعمم هذا الإسم إطلاقاً لأنني لست مع هذه التسميات ولا أحبذها لأنها تعطي فكرة مسبقة عن العازف، أقل أو أكثر أحياناً مما يتصور المستمع، ولأنني أعتقد أيضاً أن الموسيقي غير الواثق من موسيقاه وعزفه هو الذي يحاول شرح أو إيجاد الكلمات التي تعزز من عمله وتخدع المتلقي أحيانا،ً وليتنا نسأل: ماذا يعني أي لقب يسبق إسم بيتهوفن أو عبد الوهاب أو منير بشير؟ هنالك الكثير من الموسيقيين الجادين الواثقين من أنفسهم وصلت أعمالهم إلى المستمع بدون أن يضعوا تعزيزات لأسمائهم مثل زياد الرحباني وأنور إبراهيم ومارسيل خليفة وخالد محمد علي وآخرون.

-ما هو دور ثقافة المستمع في عملية تذوق العمل الجيد عن سواه، وما دورها في تطوير عملية التذوق؟

ثقافة المتلقي العامة والموسيقية مهمة جداً في عملية الإصغاء، وهنا أؤكد على الإصغاء باعتباره حالة متطورة على الإستماع، وإذا كان الجمهور المهتم على درجة جيدة من الثقافة يمكن أن يساهم ليس في عملية التلقي الواعي فحسب، بل حتى في تقويم العمل الفني ودفع الفنان إلى تطوير نفسه ومؤلفاته وإلى المزيد من العطاء، فإن إرتفاع أو زيادة مستوى ثقافة المتلقي لها دور بكل تأكيد. أمّا عملية الإصغاء الكثير فهي تساهم في إكتشاف العمل وإتضاح تفاصيله وبالتالي يعمم هذا على التجربة ككل، أرجو ملاحظة استخدامي لـ (الإصغاء الكثير) عوضاً عن الإستماع المتكرر، الذي ربما يعني التكرار والإستماع من غير الإهتمام بالعمل (كمن يسمع الموسيقى أثناء تناول وجبة عشاء مع مجموعة من الأصدقاء) حيث أن ذلك لا يؤدي إلاّ إلى الإستماع العابر والسطحي الذي لا يزيد من عملية التلقي والإصغاء ولا يطورهما.

Powered by PhPeace 2.2 alpha