logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

الحلقة الثالثة:حوار مفتوح مع "صحيفة بغداد" أتعجب من جرأة بعض المثقفين في الأدعاء بمعرفة الموسيقى

أ
2 شباط 2001 - جمال حيدر

بغداد -ثمة قصور شاخص في تركيبة المثقف العراقي الموسيقية، ويبدو الأمر كأن جداراً عالياً يحجب الكثير منهم عن هذا العالم الفني الواسع والملاصق إلى كل عوامل الثقافة، إن لم يكن أساسها... ما رأيك؟

إسمح لي أن أوضح العلاقة بين الموسيقى والفنون الإبداعية الأخرى مثل الفن التشكيلي والمسرح بعدما تحدثت عن العلاقة بينها وبين الشعر والرواية ضمن أجوبتي السابقة، فسلوك الأصوات في تركيبتها لا يختلف كلياً عن سلوك الألوان في تركيبتها أيضاً. إن التماثل الحقيقي بين الصوت واللون يكمن في أن كليهما ينتجان عن الإهتزازات، وكما يقول غوتة: "إنهما أشبه بنهرين لهما منبع واحد من الجبل نفسه، لكن بعد ذلك يتابع كل طريقه، تحت شروط مختلفة وفي منطقتين مختلفتين" ونستطيع أن نجد قسماً كبيراً من الموسيقى يتضمن صلات جمالية باللون والفن التشكيلي، كما أن هنالك الكثير من العوامل المشتركة مثل الإيقاع الهارموني، وهنا لاأعني الوزن، التي تؤكد على العلاقة بين اللون والصوت، وهذا ما يعرف بالإحساس المتزامن المنقول حيث يقول عنه "سابانيف" بأنه إحساس من ناحية ما لدى الإنسان هي غير الناحية التي يكون فيها الإحساس العام، كالإحساس بلون ما عند سماع صوت ما. ولوصف ذلك الإحساس نجد أن تعبيرنا يذهب للإستعانة بفن التشكيل حين نتحدث عن الموسيقى فنقول: تلوين أو تلون أو لوني، والعكس عندما نناقش أو نصف الفن التشكيلي: هادىء أو صاخب أو هارموني، وما يعتقده "سابانيف" أيضاً هو أن الإفتقار للخيال اللوني سببه عدم معرفة الكثير من الموسيقى. أما عن المسرح فبرغم من أن الإيقاع هو العامل المشترك بين الموسيقى والفنون الأخرى فإنه يتجلّى في أبهى صوره بين المسرح والموسيقى من خلال الحركة ودورها في رسم العلاقة وفي بناء المشهد الموسيقي وأسس بناء المشهد المسرحي.

كما نرى، فإن العلاقة واضحة وجلية بين كل الفنون والموسيقى، وبعيداً عن كل ما ذكرت يمكن لمتلقي الفنون أن يشعر أو يدرك هذه العلاقة أكثر مما يصفها أو يتحدث عنها.

أتفق معك على القصور الشاخص في تركيبة المثقف العراقي الموسيقية وأعتقد بأنها مشكلة المثقف العربي بشكل عام. هنالك من ينفي هذا القصور رغم العلاقة الوثيقة الواضحة، هذا النوع من المثقفين هم الأكثر خطورة على تطور الثقافة العربية وتطور الرؤيا الإبداعية. أنا لا أطالب المثقف بالتخصص بالموسيقى، ولكن أتمنى أن لا يبقى على إحساسه بها فقط رغم أن الإحساس نقطة مهمة، ولكن حسب إعتقادي فإن الإحساس بالموسيقى يوجد لدى كل الكائنات الحية ناهيك عن الإنسان، أعني أن هذا لا يميّز المثقف عن أي كائن يملك الإحساس بالموسيقى. وهو، أي المثقف، لا يستطيع بالإحساس وحده أن يوظف الموسيقى في عمله الإبداعي من حيث البنية والروح والتركيبة. ثمة نوع اخر من المثقفين أدرك متأخراً أن للموسيقى أهمية قصوى في عملية الإبداع واكتشف الهوة بينه وبين الموسيقى، ولكن بدلاً من أن يحاول التقليل من هذه الهوة صار يتحايل عليها ويوحي بمعرفته بالموسيقى، حيث يكتب عن الحركة الثانية في سمفونية لبيتهوفن أو موتزارت وهو لا يفرق بين الدو والري بالإنصات، إنني أتعجب من هذه الجرأة، أنا شخصياً درست تحليل البناء الموسيقي والهارموني والتوزيع الموسيقي وتاريخ الموسيقى الغربية ولا أستطيع أن أكتب عن أعمال بيتهوفن أو غيره لمجرد إحترامي لهذه الأعمال العظيمة وإحساسي بها، فهذا المجال له ناقدون متخصصون. أحد الروائيين أجاب على سؤال عن رأيه في الموسيقى قائلاً: "أنا أحب أم كلثوم كثيراً"، في الوقت الذي أنتج فيه "ميلان كونديرا" أعمالاً ذات تركيبة قائمة على ثوابت البناء الموسيقي مثل "الحياة في مكان أخر"، وكذلك فعل "هيرمان هيسه" في "لعبة الكريات الزجاجية".

أمّا النوع الثالث فقد صمت، وذلك أضعف الإيمان... وهنا لابدّ أن أقدم إحترامي الكبير للمثقفين الذين أدركوا أهمية هذا الأمر وحاولوا البدء بالإنصات الجيد والنوعي للموسيقى تعويضاً عمّا فاتهم، ولخلق ذائقة فنية بالإنصات على الأقل، لأن الإستماع وحده لايكفي وهنالك فرق كبير بين الإثنين. ولا يفوتني أن أذكر بأن الأمر لايخلو بالطبع من بعض المثقفين القلائل الذين إهتموا بالموسيقى.

من جانب أخر فإن ما وصلت إليه حالة المثقف يعود لعدة أسباب منها ما تقع مسؤوليته على الأنتاج الموسيقي السطحي الذي لم يرتق إلى مستوى الفنون الإبداعية الأخرى مما جعل المثقف يتغاضى عن هذا المجال. إلى جانب ذلك تأتي النظرة الإجتماعية الدنيا للموسيقى في مجتمعاتنا، وهناك أمور أخرى لامجال لإيضاحها هنا، ولكن المثقف هو الرائد في المجتمع والحياة وهو الذي يستطيع أن يغير المفاهيم الخاطئة ويكتشف العمق الإبداعي ومكامنه ويوجه الموسيقى والإنتاج بشكل عام.

-يعتبر البعض أن مدرسة العود العراقية، رغم حداثتها متميّزة وتتسم بالنضج وملامح الإكتمال... لنتحدث عن هذا الشأن؟

في البداية لابدّ من تعريف المدرسة وماذا تعني تحديداً، فهي القواعد والأسس المتميزة في العزف والتأليف إلى جانب التقنية وروحيتها وصولاً إلى طرق التدريس. ولايمكن لأي مدرسة أن تتبلور ملامحها عبر تجربة عازف واحد أو تجارب ناقصة لعازفين أخرين، بمعنى آخر إنها تتبلور من خلال تراكم العديد من التجارب المكتملة والناضجة والجادة تراكماً تقنياً وزمنياً في آن. فالأسس التي شيّدها الشريف محيي الدين حيدر والتي تواصلت على مدى نصف قرن أرست تجربة خاصة بالعزف والتدريس والتنظير في وقت واحد، ليساهم بعد ذلك تلامذته، جميل ومنير بشير، سلمان شكر وغانم حداد في ترسيخ تلك الأسس وتكوينها وإغناء أهم معالمها.

على سبيل المثال فإن لمسات منير بشير قد انتهت منذ ثلاثة أعوام، أي ترافقاً مع رحيله، في حين مازالت إضافات جميل بشير شاخصةً لغاية الآن مع أنه غادرنا منذ نحو ربع قرن. أمّا إبداعات كل من سلمان شكر وغانم حداد فهي مستمرة، لذا لايمكن الحديث عن تجارب متواصلة ولم تشارف ملامحها على النهاية بعد.

إن كل ما أتى بعد الشريف محيي الدين وتلامذته الأربعة يعتبر إضافة للمدرسة ذاتها، إذ أن من خصوصية هذه المدرسة التفاعل والإنفتاح على تجارب أخرى والإستيعاب لما هو متميّز وجاد. بدقة أكثر إنها مدرسة مشرعة الأفق ومتجددة على الدوام. وما أرغب قوله هنا هو أن المدرسة، أية مدرسة، تتشكل خلال مساحات زمنية ليست بالقصيرة وعبر تراكم تجارب مكتملة وناضجة، وهذه هي سمة مدرسة العود العراقية المتميزة.

-ما خصوصيات مشروعك الموسيقي؟

أتمنى لو تحيل هذا السؤال إلى الناقد أو المتخصص أو حتى المتذوق ولكن إذا كان لابد من الإجابة فسأجيبك بإختزال.

إضافةً إلى ما ذكرته ضمناً في إجاباتي السابقة أحاول أن أعيد إنتاج ما هو موجود في التراث الموسيقي بمنهج عصري متطور على صعيد التأليف والتقنية والإستفادة من النظريات الموسيقية القديمة التي لم تستغل بأي شكل مستنداً إلى نقطة ثقل واحدة مهمة هي مايصب في اتجاه تطوير العمل بآلة العود والعمل على تكوين موسيقى صرف أي "موسيقى آليـــــة" “Instrumental Music”.

-كيف تتجه خطواتك الآن؟

بعد أن ذهبت إلى نقطة بعيدة نسبياً في فكر المتصوفة الإسلاميين في الفترة الأخيرة واطلاعي على تجارب مهمة في إطار مفهوم الموسيقى الصوفية أحاول أن أضع موسيقى تدعو المتلقي لممارسة تصور الإستماع بحق، وكما يقول ابن عربي: لو احتلت النغمة مكانها في الفضاء الكوني الصحيح سوف تؤثر بالحجر.

وضعت منذ فترة قطعة بعنوان "دعاء" وأعمل على أخرى بعنوان "ديوان". وقبل ذلك سأنتهي قريباً من تسجيل عمل بين العود والآلات الوترية كنت قد عملت عليه منذ خمس سنوات إلى هذا اليوم، حيث من المؤمل أن يكتمل إنتاجه في القريب العاجل جداً، إضافة إلى خطوات أخرى أجد من المبكر البوح بها الآن.

هذا عن خطواتي التي أعرف، أمّا عن خطواتي الأخرى فلا أعرف إلى أين تتجه، للحد الذي أشعر بأنني لا أجيد الإعتراف.

Powered by PhPeace 2.2 alpha