الحلقة الثانية :حوار مفتوح مع صحيفة "بغداد" إدعاءات إضافة أوتار جديدة للعود باطلة وغير جديرة بالأهتمام
-ثمة عبارة مفادها أن الموسيقي يكتب في جل حياته قطعة موسيقية واحدة، ما يلبث أن يوزعهاعلى صور مختلفة...!؟
اذا تفحصنا شخصية المؤلف سوف نكتشف أنها مصوغة من عناصر متعددة، حيث أن للموسيقي شخصية تظهر في كل أعماله وتعتمد على التقنية العلمية التي يمتلكها ونوعية العمل وتكوين الجمل الموسيقية إضافة الى روح العصر الذي يعيشه وتأثيراته. الشخصية هذه هي لونه ومن خلالها يستطيع أي شخص أن يميز عمله ومؤلفاته، ويتوجب على المؤلف لكي يتمتع بقيمة ما أن يكون لديه سمات خاصة به تكون على قدر كبير من التمايز، وأعني بالنتيجة أن شخصية المؤلف هي الموجودة في أعماله وليس تكرار عمل واحد على عدة قطع. ولتوضيح ذلك أكثر: ألا تجد نفسك مدركاً لأسلوب كتابة الجواهري حينما تقرأ قصيدة له دون أن يكون اسمه عليها، الجواب سيكون حتماً بنعم إذا كنت قد اطلعت وعرفت أعماله من قبل، وهكذا مع أي روائي، أنا على سبيل المثال لا أحفظ كل شعر مظفر النواب لكنني أستطيع تمييز قصيدته من بين المقلدين له، غير أن هذا الجانب لم يتضح بسهولة في الموسيقى لما تحمله من تجريد عالٍ.
-في أية مقطوعة موسيقية بالإمكان أن نعثر على أحمد مختار؟
الموسيقى سحر وسر، وربما لأنها لا تمثل أي صورة من عالمنا فإننا نعزوها إلى ما يفوق الوصف وإلى عالم ما ورائي، وبالرغم من أنها تخضع للكثير من القواعد الصارمة والدقيقة بحكم شكلها العلمي الرياضي المحدد ، إلاّ أننا نصر على أن نرى فيها الوحي والإلهام بأصفى أشكاله وأرقاها ونلمس فيها حرية بما تحمل وتوحي من قوة، إنها صدى عالم اخر. سألني أحد الأصدقاء: أي المقامات أحب إلى قلبك؟ أجبت: أي مقام يعبر عن الحالة التي كنت أمر بها أثناء العزف وخصوصاً في الإرتجال، من هنا جاء رأينا بتحليل الإرتجال على أنه يختلف عن التقاسيم لأنه يعبر عن اللحظة الآنية التي يمر بها العازف من دون تحضير مسبق للجمل الموسيقية، لذا يتم تحديد المقام أو العبور إلى ضفة مقام أخر حسب ما يشعر به العازف أثناء لحظة العزف، وعلى العكس من التقاسيم، إذ هي تحضير مسبق للجمل الموسيقية الرئيسية التي سوف تعزف مع إضافات بسيطة لربط الجمل أثناء العزف، بالنتيجة أجد نفسي بكل القطع التي وضعت كلاً حسب الرؤيا السردية التي كنت أقصد. وفي حالة ما، لا أعثر على نفسي حتى في نفسي، لذا أبحث عن فضاء أخر أو جديد لعلني أجد ما أبحث عنه.
-هناك قطيعة مع الوطن تمتد سنوات ليست بقصيرة، هذه القطيعة لا بد أن تنتج قطيعة أخرى على الجانب المعرفي بما يحدث في الداخل، كيف يحافظ أحمد مختار على هويته الفنية دون أن يقع في خضم الظواهر الموسيقية التي تعج بها أوروبا الآن؟
هنالك إرتباط روحي غامض وحساسية سرية للنفس، أو انفعالات متباينة هي التي تربط الفنان بمدينة ما، وتوجد أيضاً نوعية من الإنسجام العضوي تؤدي إلى ذلك التزاوج. قد يحدث أحياناً لبعض الأشخاص غير المسرورين من وسطهم الطبيعي أن ينطلقوا بحثاً عن مدينة ما تحتويهم وقد يجدون مدينة روحهم أو ينفنون في البحث ولا يصلون، ولكن بالنسبة لي لم أجد غير ولادتي الأولى التي بمقدورها إعطائي الجو الملائم، رغم أنني أشعر بالقدرة على التواصل والإنتاج أينما كنت بالقدر الذي ينطلق فيه داخلي بالعمل الموسيقي لأنني أحمل الوطن في القلب وأمارسه في كل المدن، لذلك صرت أحاول الحفاظ على مدينة روحي وولادتي الأولى من خلال الكثير، بدءاً بالقراءة ودراسة ومتابعة الأعمال الموسيقية على اختلاف أنواعها ومستوياتها وليس انتهاءً بالتواصل مع الأساتذة والموسيقيين والإستماع الدائم، وأحاول أيضاً أن لا يفوتني أي شيء في كافة المجالات. من جانب آخر هنالك تعدد ثقافي كبير في أوروبا ولكن كل ينتمي إلى ثقافته الأم، وسياسة الإندماج التي تروجها المؤسسات الإعلامية الغربية كجزء من النظام الإقتصادي لا تؤثر على الذين يدركون الغايات الحقيقية لهذه المؤسسات.
-ما الذي تسعى إليه مع بعض الموسيقيين لإعادة الروح إلى جسد الموسيقى العربية المصاب بالسكتة القلبية؟ ما إمكانية نجاح هذا المشروع القابل للتهميش في ظل طغيان الإسفاف؟
نسعى كجيل إلى موسيقى الروح والفكر وليس إلى موسيقى الجسد بعد أن عرفنا أن علينا أن نسلك المنهج الذي يوصلنا الى النهضة بموسيقانا وأن يضع كل المكتسبات العلمية والفنية في خدمتها لتنافس موسيقى الشعوب الأخرى ولتكون معبراً عن ثقافتنا وروحياتنا، كما أخذنا على عاتقنا أن نعمل على تطوير وتجديد لغتنا الموسيقية إنطلاقاً من جذورها بحيث نحافظ على إبداعها الذي تراكم عبر كل المراحل التاريخية والذي كوّن ميراثاً كبيراً إستفادت منه الكثير من الأمم، من جانب أخر نتواصل مع ما هو متطور من العلوم الحديثة ومناهجها لتدعيم وتطوير الموسيقى. هنالك أيضاً مهمة تقع مسؤوليتها علينا جميعاً، وهي نشر الوعي الموسيقي الجاد والإستماع الصحيح للموسيقى بين جماهير مستمعينا لكي نصل بهم إلى مرحلة إتخاذ القرار بما يناسبهم من موسيقى عصرية تراثية أو تراثية متطورة.
مهمتنا صعبة ولكنها ليست مستحيلة، وفي تاريخ الأمم لاقت مشاريع كهذه الكثير من الصعوبات والعوائق، وفي النهاية لا بد من أن يستجيب الآخرون إلى المشاريع التي تخاطب روحياتهم الأصيلة وتتدخل في عمق إحساسهم، ونلاحظ بين فترة وأخرى ظهور عمل ما يبحث عنه الجميع ويريدون الاستماع إليه لأن الموسيقى الحقيقية في أعماق الإنسان الحقيقي ومن مسؤوليتنا الحفاظ على أحاسيسه وتذوقه لكل فنٍ جميل
-ما زالت قضية أوتار العود تشغل مساحة واسعة من الآراء، خاصةً زيادة أعدادها وتطوير تقنيتها، لنتطرق إلى هذه القضية؟
تاريخياً تمت إضافات متتالية لأوتار العود أذكرها حسب تسلسلها التاريخي:
كان العود العراقي القديم في زمن ما قبل الإسلام يحتوي على ثلاثة أوتار، أمّا في العصر الأموي فقد أصبح العود بأربعة حيث ذكر ابن المنجم إن عود إسحاق الموصلي كان يحتوي على أربعة أوتار. وفي العصر العباسي جاءت إضافة أخرى لتنتج وتراً خامساً على يد الكندي، وقد نفّذ ذلك عملياً زرياب، وظلّ العود ذو الأوتار الأربعة يستخدم أيضاً ويسمونه العود القديم، أمّا ذو الخمسة فقد سمي بالعود الكامل. في القرن الرابع عشر تمّ إضافة الوتر السادس، حيث جاء في مخطوطة "كشف الهموم والكرب في آلة الطرب" عن العود أنه "أنواع بحسب عدد أوتاره، فمنه عود ذو إثني عشر وتراً ومعشّر ومثمّن"، وبما أننا نعرف أن أوتار العود مزدوجة، أي أن كل وترين يتساويان في إصدار نغمة واحدة فإننا نفهم أن ذلك يشير إلى وجود أعواد بستة أوتار مزدوجة وكذلك بخمسة وأربعة. وفي القرن الخامس عشر كانت العيدان تصنّف حسب ما جاء في المخطوطات إلى عود قديم ذي أربعة أوتار وعود كامل ذي خمسة أوتار وعود أكمل ذي ستة.
أمّا في القرن التاسع عشر فقد ظهر العود ذو السبعة أوتار حسب ما ذكر صاحب الرسالة الشهابية ميخائيل مشاقة (1800- 1888)، أمّا عن الوتر الثامن فلم أجد له أي ذكر، لا في الكتب العربية القديمة ولا في المخطوطات التي اطلعت عليها بالضرورة، حيث كان لابد لي من الاطلاع عليها ودراسة مؤلفات كل من الفارابي، ابن سينا، صفي الدين الأرموي، ابن المنجم وآخرين، بحكم بحثي في أعمال الكندي الذي كان هو هدفي الأول، فلم أجد أي شيء يذكر عن الوتر الثامن، وذلك لا يعني انه غير موجود، ولكني لم أجده في أعمالهم، وهنالك إدعاءات بشأن هذا الوتر يعود أقدمها إلى (1982-1983) لموسيقي مصري إسمه العشماوي بالإضافة إلى الفنان العراقي الفريد جورج.
وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن إضافة أوتار جديدة تدعو إلى توسع في مساحة الزند والصندوق الصوتي لكي يستوعبا الأوتار الجديدة من ناحية الصوت وطريقة العزف مما يسبب في تغيير الصوت الصادر من العود، لذا أتمنى من الأصدقاء الداعين إلى إضافة أوتار جديدة أن يضعوا حلولاً لهذا الموضوع، وخلاف ذلك سوف ينتج آلة جديدة هي ليست العود، وهذا ما حصل لما يعرف بآلة اللوت الأوروبية التي جاءت من العود أصلاً وتحوي اثني عشر وتراً.
إن إضافة أوتار يتم عبر الحساب الرياضي لموقعها في الآلة، ويستطيع أي عارف بسيط بالموسيقى أن يفعل ذلك بمجرد تطبيق البعد الفاصل بين الأوتار القديمة الذي هو إثنان ونصف تون على الأبعاد الجديدة. مثال ذلك البعد بين الوتر ألثاني والثالث الذي هو اثنين ونصف تون وكذلك بين الثالث والرابع والرابع والخامس والخامس والسادس الذي هو نغمة "فا"، ولكي تنتج وتراً سابعاً فإنه يصبح "سي بيمول" وثامناً "مي بيمول" وتاسعاً "لا بيمول" وهكذا، ولكن هل يستوعب حجم العود الآن كل هذه الإضافات؟ بالطبع لا.
من جانب أخر هنالك مسائل في غاية الأهمية يزخر بها التراث العربي ومن الممكن الإهتمام بها، فلو نظرنا إلى آلة مثل الكمان التي أصبحت الأولى في العالم رغم أنها ما زالت بأربعة أوتار منذ قرون نجد أن تطويرها جاء من جانب أكثر أهمية ولكنه لايوحي بالمعجزات. هنالك فكرة في الذاكرة الجمعية تقول أن من يضيف وتراً فهو مبدع.
إن الإضافات الأولى كانت مدروسة على جميع الجوانب فالكندي مثلاً أضاف الوتر الخامس نظرياً حيث إفترضه على أساس الحساب الرياضي للسلّم الموسيقي الذي تتم في وجوده الدواوين، أي تكرار العلامات الموسيقية السبع وما بينهما مرة أخرى بذبذبات أعلى.
-الموسيقى والشعر كيف ترى العلاقة بينهما؟ كيف يتوشجان مع بعضهما؟
هنالك الكثير من النقاط الروحية التي تربط ما بين الموسيقى والشعر، ولكن ما يمكن الإرتكاز عليه أو حتى الإنطلاق منه أحياناً، وللموسيقي والشاعر القدرة على إدراكه، هو الإيقاع والوزن والنغمة. وبتزويد المستمع بالإحساس الزمني عن طريق الإيقاع تجعله يدرك التأثير الفعلي للموسيقى والشعر، ولابدّ من المعرفة البسيطة بالتكوين الإيقاعي إذا أراد المتلقي أو المهتم تكوين رؤيا حول أهمية الإيقاع في عملية إدراك جوهر العلاقة. هناك رؤيا أكثر غنى للإيقاع إذا استطعنا أن نفرق بينه وبين الوزن، ومن الممكن الوصول إلى ذلك بشرح حالة الإيقاع والوزن في الشعر والموسيقى، فإذا قطعنا بيتاً من الشعر معتمدين على التفعيلة فإننا نقيس وحداته الزمنية فقط، وهذا يحدث في الموسيقى عندما نقسم العلامات الموسيقية ونجعلها في وحدات متساوية الحقل “Measure-or-Bar” إذ في كلتا الحالتين نحصل على حس التقطيع فقط، أي الوزن، ولكن إذا قرأنا البيت الشعري واضعين في البال الإحساس بالمعنى دون التوقف حيثما تتطلب التفعيلة فإنه سوف يتحقق الإيقاع. ويتحقق ذلك أيضاً في الموسيقى إذا شددنا النبرة “Accent” على العلامات الموسيقية طبقاً للإحساس بالجملة الموسيقية، هذه النقطة هي جوهر العلاقة العملية بين الشعر والموسيقى وبين فنون إبداعية أخرى مثل الرواية. أمّا العنصر الأساسي الثاني فهو النغمة “Tune” التي يتكون منها اللحن “Melody” الذي ترتبط فكرته بالإنفعال الروحي، والشيء الأهم في اللحن هو خاصيته التجريدية التي توقظ الإستجابة الروحية لدى المستمع، ولتقريب الفكرة أستطيع القول أن النغمة تشبه إلى حد ما عملية الإلقاء في الشعر الذي يعتمد على الإنخفاض والإرتفاع في الطبقة الصوتية وطريقة أداء المفردة التي تتكون من الطبقة الصوتيـــة “pitch وهي شكل وعدد الذبذبات المنتظمة الصادرة من الآلات والصوت البشري”، ومن الديناميكة، أي الأداء. لذا نجد أن الشعراء الذين لديهم خامة صوتية مميزة أو يستطيعون الغناء البسيط هم الأكثر قدرة على الإلقاء الشعري، وهذه النقط تجعلنا نتفق على أن هنالك شعراً للإلقاء أكثر منه للقراءة.



