حوار مفتوح مع صحيفة "بغداد" تراثنا مشيّد على الشعر مما انتج موسيقى غنائية
هل بإمكان عازف منفرد أن يقود حاضر الذائقة الموسيقية إلى سياقات مغايرة، خاصة بعدما ترسبت تلك الذائقة بسطحيتها وإسفافها والتباساتها في ذهنية المتلقي عبر مساحة زمنية ليست بالقصيرة؟ هذا ما يسعى إليه عازف العود العراقي أحمد مختار، إلى جانب تجارب موسيقيين آخرين، لإعادة الروح إلى جسد الموسيقى العربية المصاب بالسكتة القلبية.
حظي مختار في أماسيه الموسيقية بنجاحات ملحوظة، غير أن تجربته الموسيقية ما زالت تخوض غمارها في استجلاء ملامحها وترسيخ خاصيتها ونضوج تمايزها، ولعلّ جائزة (اتحاد الموسيقيين البريطانيين) التي حصدها مختار عن أفضل عمل موسيقي غير غربي، وضعته أمام اختبار عسير في مواصلة مسيرته صعوداً باتجاه مسؤوليات ذات خواص إبداعية جديدة. إلتقيناه في لندن وكان معه هذا الحوار المفتوح... هنا الحلقة الأولى...
جمال حيدر
-ما الذي دفعك الى الموسيقى... وإلى العود تحديداً؟
هنالك عوامل ومؤثرات كثيرة ساهمت في دفعي للموسيقى وكل ما تقدم بي الوقت والتجربة أكتشف دوافع أو عوامل جديدة، وليس بالضرورة أن تلغي هذه تلك التي قبلها، لكنها أحياناً تفعل، أستطيع الإشارة إلى البعض من تلك الدوافع، مثل الدوافع الحسية الفطرية التي قادتني للموسيقى لأنني كنت أشعر بعمق لا أستطيع الإعتراف به ولا البوح إلاّ ان نداءً يقودني إلى بعد لم أدرك ما وراءه ولا حتى ماهيته.
من جانب أخر، وأعني دافع آخر هو صوت آلة العود الذي قادني للإستماع إلى هذه الآلة وأنا في سن مبكرة، ذلك الصوت أشعرني بالأمومة والدفء والعمق التاريخي لكل العراق، هكذا ومن دون أن أعلم وجدت نفسي غارقاً في العود والموسيقى معاً.
-من فضائل المنفى –رغم قساوته ووحشيته- توفير مسافة ما للنظر إلى الأشياء بحيادية، ماذا قدمت لك أعوام المنفى على صعيد الوعي الموسيقي؟
الحرية... بكل ما تعنيه من بعد إنساني، وكل ما تحمل من ألم، الحرية حتى في إختيار الأخطاء، وأجمل ما في حريتي هذه ان أحداً لم يمنحني إياها، لقد ابتعدت سنيناً ضوئية عن حياة العيش من أجل إرضاء الآخر، إن هذا الشعور لا يوازيه شعور وهو عزائي في الفراق، صرت أمارس دواخلي كما أشتهي وكما تتطلبه ثقافتي وإنسانيتي.
المنفى جعلني أتعرف على تجارب إنسانية وأمارسها أحياناً بدون النظر بعين واحدة لها، كذلك صرت أرى واقعنا وثقافتنا بعين أخرى أكثر عمقاً. المنفى جعلني أكثر قرباً للوطن لأنني صرت أعيشه بكل تفاصيله، كثيراً ما مررت بالأمكنة التي كنت أحب ولكن لم أعشها مثلما أنا اليوم أحياها بكل تفاصيلها وبتجربة الجوال.
-ثمة جانب روائي في نتاجاتك الموسيقية، في هذا الشأن كيف يتم تواصلك مع الجمهور، خاصة الذي لا يمت بصلة منه الى العود ولا لأواصرك الروائية- الموسيقية؟
أعتقد بالبناء الروائي في العمل الموسيقي الذي يوحي بالكثير من المعاني التي تصل الى شكل العمل الأدبي التجريدي، كونه جزءاً من مشروعي الموسيقي، دعني أوضح الفكرة التي يعتمد عليها البناء الموسيقي، هي ببساطة التنظيم المتماسك لمواد الفنان، ولا يختلف البناء في الموسيقى عن أي فن آخر، لكن المواد في الموسيقى لها صفة السيولة والتجريد، لذلك فإن مهمة المؤلف البنائية صعبة على نحو مضاعف بسبب طبيعة الموسيقى في حد ذاتها.
أحاول طرح العلاقة بين الموسيقى والفنون الإبداعية الأخرى وكجزء من مشروعي لإيصال العلاقة بين الرواية والموسيقى عن طريق إيجاد هيكلية معمارية للقطعة الموسيقية التي تعتمد الزمن في الرواية، والزمن في الموسيقى "Tempo" وإيقاع العمل الروائي والموسيقى"Rhythm" ، أما الهارمونية فبالرغم من معرفتنا بجذورها الموسيقية البحتة من خلال سبر الأصوات الموسيقية، فإنها تظهر في العمل الروائي من خلال تعدد أصوات الشخصيات وتداخلها وانسجامها.
من هنا نجد ان العلاقة مبنية على أسس لدى المتلقي، وهذه الأسس ممكن أن تكون موجودة لدى كل إنسان يمتلك شيئاً من خبرة الاستماع، أضف إلى ذلك، وهذه نقطة هامة أن مؤلفاتي الموسيقية فيها الإيحاء الروائي وليس كتجسيد للروائية، بمعنى آخر لا أصور صوت القطار الحقيقي في الموسيقى للتعبير عن القطار نفسه، بل أحاول الإيحاء به لأنني أظن أن المؤلف الموسيقي غير الواثق من إحساسه هو الذي يصور أو يكتب بالضبط أصوات القطارات كما تمشي بالحقيقة، من هنا ندرك أسس العلاقة بين المتلقي والموسيقى، ولكن العود له إيحاءاته الخاصة أيضاً التي تدعو إلى الاستكشاف والجذب إلى ما تطرح هذه الآلة التي أصبحت مثيرة للجدل، هذه نقاط وجدت لكي تسهل عملية التواصل أينما عزفت.
-ما الذي يمكن أن يقدمه عازف منفرد لمشروع موسيقي على درجة كبيرة من الأهمية على صعيد إثارة سكون الذائقة الفنية؟
العازف المجتهد الذي يدرك موقع العزف المنفرد ودوره والمسؤوليات التي تقع على عاتقه، يمكن ان يقدم الكثير لمشروع الموسيقى الصرف... أعني غير الغنائية، ويمكن أن يسجل إضافات مهمة في رسم الشكل المتطور للموسيقى، ولنا في الفنان منير بشير المثال الرائع، حيث أن مكانة العود اليوم هي ليست مكانته قبل 40 سنة وذلك للجهد الكبير والإبداع العالي الذين قدمهما واستفاد منهما الكثير من العازفين واستطاعوا تقديم أنفسهم تحت معطف هذا الفنان، ولكن أن تعتقد أنك تستطيع الوقوف بوجه ما هو موجود من أغنية حديثة وتأثر فيه فهذا لا يحدث بسهولة، وذلك لأننا عرفنا عبر تاريخ موسيقانا المديد أننا أصحاب ثقافة موسيقية غنائية أكثر من غيرها وذلك يعود لأسباب كثيرة. من جهة أخرى لا نستطيع التوقف عن مواكبة التطور التكنولوجي الموسيقي، نحن لا ندعو لذلك ولكن ما أوده هو حسن التصرف وأخذ ما يلائم موسيقانا من خلال دراسة العلوم الحديثة والموسيقى العالمية المتطورة وتطبيقها على الموسيقى حاضراً، لذلك ما يستطيع تقديمه العازف المنفرد ليس إظهار إمكانية هذه الآلة بأعلى تقنياتها فقط، بل وإظهار روحياتها أيضاً وهذا الأهم. من جانب آخر الحث على الوعي الموسيقي بدءاً بالدراسة الموسيقية الأكاديمية العالية وانتهاءً بالآداب والفنون وأهمها الشعر، والعود اليوم هو الوحيد كآلةٍ منفردة يتقدم الموسيقى الصرف في ثقافتنا، رغم أن هناك محاولات لآلات أخرى ولكنها لم تتشكل بعد لتكون فعالة مثل العود.
-لنتحدث عن الإشكالية المرافقة لأصول آلة العود وتاريخها وحقيقة إنتمائها للحضارات العراقية القديمة، وفيم تتمظهر أهميتها حاضراً على الصعيد الموسيقي؟
سوف أتناول آخر الأبحاث التي تستند إلى التحليل العلمي التاريخي للرُقم الطينية، وتمتاز بالبحث العلمي الدقيق وبالاعتماد على أحدث التراجم والدراسات المسمارية وبمعالجة كل ما هو موجود من آثار لها علاقة بالآلات الموسيقية وبالإهتمام بالناحية التاريخية للآلات وتعقب تطورها عبر العصور التاريخية المختلفة لأن هنالك الكثير من الآراء التي تحيل نشوء هذه الآلة إلى أزمنة وعصورٍ غير صحيحة لإستنادها على أدلةٍ بطل العمل بها لظهور مكتشفات أخرى أهم، لها العمق الأكثر في تاريخ الحضارات القديمة.
تذكر المصادر وخصوصاً التي وصل إليها الباحث الألماني هلمان والإنكليزي سميث والعراقي أنور رشيد، إن أقدم ظهور لآلة العود كان في العراق القديم وذلك في العصر الأكدي (2350-215 ق.ب) أي قبل أربعة آلاف وخمسمائة سنة ودليل هذا الرأي وجود ختمين أسطوانيين لدى المتحف البريطاني في لندن (BM.89096 / BM.28806) يرتقي زمنهما إلى العصر الأكدي حيث اطلعت عليهما شخصياً. ويؤكد الكثير من الباحثين في هذا المجال أن هذين الختمين هما أقدم الآثار التي عثر عليها لغاية الآن والتي تشير إلى هذه الآلة علمياً، وبالإضافة إلى هذين الختمين الأكديين توجد عدة قطع أثرية تحتوي على مشهد العزف على آلة العود ويرتقي زمنها إلى الحضارة البابلية. أمّا أقدم الآثار المصرية التي تشير إلى استخدام قدامى المصريين لآلة العود فيرجع إلى عهد الأسرة الثامنة عشرة(1580-1390 ق.ب) حيث جاءت آلات العود أصلية قديمة، إضافة إلى النقوش التي تصوّر هذه الآلة والموجودة في متحف القاهرة. أمّا في إيران وتركيا فقد عرف العود في القرن السادس عشر قبل الميلاد- وهو العصر الذي يعرف في تاريخ العراق باسم العصر الكيشي الذي أعقب العصر البابلي القديم- وشكل العود وطريقة مسكه أثناء العزف لا يختلفان هناعن العود العراقي في القرن (16-12 ق.ب).
-يخشى الكثير من الموسيقيين الاقتراب من منطقة التراث بعدما غدت ملتبسة ومزروعة بالكثير من سوء الفهم، ما رأيك؟
أنا من عشاق الإرث الموسيقي العربي والتراث بشكل عام ومررت بمراحله عن طريق أساتذة كبار كان لهم المواقف الواضحة التي لا تسيء إلى التراث، ولكن عندما نذكر التراث يجب ان لا نقف منه موقف المقدس والمهيب الذي لا يمكن الخروج عنه مطلقاً، ولا ينبغي عرض التراث على أبناء هذا القرن بشكل ساذج وكأنه ولد اليوم وبلغة هي ليست لغته التي كان لها زمانها ومكانها الخاصين، إذ حسب إعتقادي أن تراكم التجارب الإنسانية والتجريب والتحديث صنعت جميعها الحضارات والتراث الإنساني ككل، ومن جانب آخر فإن القديم كان جديداً في يوم ما وأن ديمومة ذلك الجديد كانت بسبب عمقه وجودته، كذلك فإنك حين تتسلح بالمعرفة والتراث نفسه لا تخشى الغوص فيه، خصوصاً إذا كنت قد اطلعت على أهم السبل وأكثرها تطوراً في عملية البناء والتحليل للمادة الموسيقية. من جانب آخر كانت لديّ نزعة قوية للتوغل في التراث وذلك ليس للإدعاء أو للبحث عن الخبر المثير أو لاستغلال عدم إقتراب الآخرين من هذه الدائرة وخشيتهم منها واستغلال ثقافة المتلقي البسيطة في الموسيقى والتراث، بل لدرايتي المبكرة والكافية والعميقة بأهمية الخزين التراثي الموسيقي وأهمية نظرياته من خلال دراستي على يد أساتذة كبار أمثال غانم حداد ومنير بشير وجميل جرجيس وروحي الخماش وإيصالهم لنا كطلاب أهمية موضوع التراث وسبل التعامل معه وزاد إحساسي بأهمية ذلك عندما اطلعت من خلال دراستي في الغرب على أهمية البحوث المنجزة في هذا الصدد والفائدة التي عمت أو أثرت في الموسيقى الغربية والشرقية وأثر الدراسة المعمقة وآخرها دراسة المنهج العلمي الحديث في عملية البحث والتحليل للبناء الموسيقي في بريطانيا- جامعة لندن، كل ذلك جعل لي الثقة الكاملة للخوض في هذا المجال، لا بل قدمت العديد من البحوث التي طاولت آراء باحثين كبار ومستشرقين معروفين مثل هنري فارمر صاحب أهم المؤلفات عن الموسيقى العربية، وإن لم أكن قد قصدت تناول آرائه بشكل خاص لكن ذلك جاء ضمن بحثي عن مصادر العود وطريقة صناعته والمقامات، انني أذكر ذلك هنا للتأكيد فقط على أن التزود بالمعرفة والإجتهاد لا يجعلك تخشى سوى الحقيقة.
-تبدو مقطوعاتك الموسيقية، خاصةً المستوحاة من التراث أنها تستمد مصادرها من ذات النبع، أي بمعنى آخر أنها تنويعة على الموضوعة ذاتها، ألا تخشى من السقوط في هاوية التكرار؟
دعني أذكر لك حقيقة، وهي أنك أوّل من أشار الى موضوعة التنويعة في عملي الموسيقي، وحتى الناقد الموسيقي المتخصص في موسيقى الشعوب مايك ستيوارد لم يشر إلى هذا في تحليله لأعمالي، وهنا أود أن أذكر ما يعنيه مصطلح (Variations) أي التنويعات، في الموسيقى.
التنويعات أسلوب تمّ العمل به على يد مؤلفي موسيقى القرن السادس عشر في أوروبا ويعني العمل على لحن قديم من خلال تكراره مع إضافة جمل موسيقية عليه بشكل لا يغيّره من خلال المحافظة على جوهره وأسسه الموسيقية. أمّا ما عملت به فهو توظيف هذا الأسلوب بما يناسب موسيقانا وذلك عن طريق تحويل بعض الموسيقى الغنائية التي تتوفر بها أقل شروط الموسيقى الصرف إلى موسيقى صرف بكل ما يعنيه القالب الموسيقي لأن تراثنا مبني على الشعر مما أنتج موسيقى غنائية أصبح لها في ثقافتنا الحصة الأكبر، ولابد من فهم ومراعاة ذلك من قبل العازف المؤلف لكي يقرب المتلقي الى ما يريد أن يقول ويخرج عن دائرة المتلقين النخبة، وهذا ما يجعل الموسيقى الصرف أكثر إنتشاراً وقرباً إلى المستمع، لذا تجدني في هذا النوع أوحي بالتراث وأعمل على التنويعات كأسلوب، وهذا جانب آخر من مشروعي الموسيقي. ولابد من الإشارة هنا إلى أن اختيار الأغاني بدون النظر لأهميتها وتناسبها مع الموسيقى الصرف وعزفها بطريقة الترجمة لصوت المطرب بآلة العود وبدون فهم المبادىء الأساسية لا يعني أبداً أسلوب التنويعات.



