الزمان تكتب عن أمسية النواب ومختار في مانشستر
عن الأمسية الشعرية التي جمعت أحمد مختار ومظفر النوّاب مؤخراً في مدينة مانشستر نشرت جريدة "الزمان" تقريراً صحافياً في 1\6\2001، كتبه كرم نعمة هنا مما جاء فيه، وقد وضعنا بعض الهوامش توضيحاً لبعض الأمور:
"أشعلت الجماليات الصوفيه والقصائد الثورية في إنشاد مظفر النوّاب قلوب الحاضرين من الجالية العربية في مانشستر، المدينة التي عاشت مع النوّاب ليلة أعادت الى الأذهان ما تنبأ به هو لحالة العالم العربي منذ ربع قرن. ولم يقتصر الحضور على الجالية العربية في المدينة, بل تعداه الى القادمين من مدن كثيرة حول مانشستر, أمّا عرب الاحواز الحاضرون فقد رفعوا لافتاتهم مؤكدين انتماءهم العربي والعراقي ومعلنين حبهم لمظفر النوّاب. قدم النوّاب الشاعر والإنسان والرسام في الأمسية كشاعر للحرية والإنسان، والشاعر الذي لم تغب عنه قضايا الحرية في كل مكان، وامتلأت القاعة بالجمهور الغفير. وكان لا بد من محاكاة موسيقية ذات قدرة عالية على التقاط الوزن الشعري وعمق يقترب من عمق صورة مظفر النوّاب الشعرية، فكان عود أحمد مختار محاكياً عمق عمل النوّاب، طارحاً العلاقة العميقة بين الشعر والموسيقى ذات البعد الهادف.لمختار تجارب متعددة مع مظفر النوّاب بدأت في الشام مروراً بمدن كثيرة حتى بريطانيا، وله أمسيات مع شعراء عرب آخرين، ولكن تبقى تجاربه مع النوّاب هي الأعمق لاعتبارات كثيرة منها فضاءات مظفر النوّاب والقدرة الأدائية والصور الشعرية الأقرب إلى الموسيقى. إجتمعت على حب قصائد مظفر النوّاب وعلى حبه كإنسان كل القلوب، والكل شعر أنه قريب من هذا الشاعر الذي وصل إلى قضايا الناس ومعاناتهم اليومية حتى صار يقف وحيداً كما وقف الأحرار عبر التاريخ.بعد أن قدّم النوّاب ومختار الدكتور ودود حمد بدأت الأمسية بمقطوعة لمختار بعنوان "تنويعات على الريل وحمد" حملت جماليات القصيدة التي عرفت منذ عشرات السنين مغناة بلحن عراقي جنوبي. بعد أن صفق الجمهور لمختار إعجاباً قدّم قطعة ثانية بعنوان "رحيل الطيور" مستوحاة من مقطع شعري للنوّاب:
سبحانكَ"
كل الأشياء رضيت، سوى الذلِّ
وأن يوضع قلبي في قفصٍ
في بيت السلطان
ورضيت نصيبي كنصيب الطيرِ
ولكن، سبحانك ربي
حتى الطير لها أوطان
وتطير إليها
وأنا، هذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر
" سجونٌ متلاصقةٌ سجانٌ يمسك سجان
النوّاب الذي كان جالساً حيّا مختار مع الحاضرين بشدّة ثم اعتلى خشبة المسرح فوقف الحضور إجلالاً لهذا المحارب الذي أنفق سنوات عمره من أجل الإنسان والحرية. ألقى النوّاب قصائد عديدة كانت بمثابة بصيص أمل لكل مدافع عن الحرية، وقد جاءت قصائد "محمد الدرّة"، "رب الحجر" و"أفضحهم" لتعبر عن غضب جماهيري عارم، وفي هذه الاثناء كان عود مختار يتلون مع صور القصائد وعمقها مرتكزاً على إيقاع القصيدة وموسقة النوّاب وجمالية أدائه. وبعد إستراحة قصيرة إستهل مختار الجزء الثاني من الأمسية بمقطوعة "ظلال النخيل" وهي محاكاة لقول لنوّاب:
وأرجوحةٌ بين نخل العراق القمر"
أشتهي صغري لأنام فيها
" وأذرف ريقي، بإحدى السرر
بعد ذلك ألقى النوّاب مقاطع من قصيدته الشهيرة "وتريات ليلية" وقصيدة "ثلاث أمنيات على بوابة رأس السنة الجديدة" وقصيدة "قمم":
قممْ... قممْ"
معزى على غنمْ
جلالة كبشٍ على سمو نعجةٍ
" على حمارٍ بالقدمْ
وبعد أن قدم النوّاب عدة قصائد أخرى بالعامية العراقية عاد ثانية – وبناءً على طلب الحضور الذي شكّل غير العراقيين غالبيته- فألقى مجموعة أخرى من قصائده باللغة العربية الفصحى.انتهت الأمسية, لكن إلحاح وهتاف الجمهور الذي قطع المسافات قادماً من مدن بريطانية بعيدة دفع الشاعر الكبير لقراءة قصيدته الشهيرة "براءة".
--------------------------------------------------------------------------------
*عندما اضطر مظفر النوّاب في منتصف الستينات تحت وطأة القمع والإرهاب إلى مغادرة العراق، اتجه عبر الحدود العراقية الإيرانية نحو منطقة الأحواز العربية العراقية، وهناك واجه لأول مرة قرية عراقية مستلبة فتساءل:
"من هرّب هذي القرية من بلدي؟" وأخذ حضور الأحواز يكبر في قصائده.
*"براءة" من القصائد الستينية "المظفرة" إذا صح التعبير، وقد شاعت آنذاك شيوعاً كبيراً في أوساط العراقيين وحفظها ورددها حتى بعض العرب. وما زالت هذه القصيدة حتى اليوم تلتصق بآلام العراقيين وتلامس جروحهم، ويكاد لا يفلت مظفر النوّاب من أيٍ من أماسيه دون إلحاح الجمهور ورغبته بالإستماع إليها.



