بالموسيقى أرسم الفرات والنخيل والأهوار
أحمد مختار عازف العود والمؤلف الموسيقي العراقي من الفنانين المميزين الذين يسعون الى تقديم الثقافة الموسيقية العربية الى المتلقي الأوروبي، يحمل عوده الذي أسماه الكندي -اعتزازاً بالفيلسوف العربي الشهير الذي عاش في العصر العباسي- جوالاً بين العواصم الغربية معرفاً بالموسيقى العربية وبآلة العود التي يمتد تاريخها الى الألف الثالث قبل الميلاد.
قدم مختار الأمسيات الموسيقية في العديد من العواصم العربية والغربية واشترك في مهرجانات مهمة للموسيقى العربية وفي مهرجانات عالمية. منضبط بالتمرين المتواصل والدؤوب
لساعات طويلة، ولكن يترك لخياله حرية العمل دون قيود أثناء العرض والعزف في الأمسيات التي يحييها. يعمل بهدوء ويبحث بجد خلف الأضواء بين ثنايا الكتب القديمة والمخطوطات الموسيقية التاريخية ليظهر بعد كل فترة باستنتاج أو فكرة جديدة تخص الموسيقى وآلة العود.
من بحوثه، ماقدمه مؤخراً لنيل شهادة الماجستير من مركز الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، أطروحة تحت عنوان( العود والموسيقى في مؤلفات الكندي) التي أكد فيها أن الوتر الخامس للعود لم يضفه زرياب، بل أن الكندي هو الذي أضاف هذا الوتر نظرياَ ، أما زرياب فقد نفذه عملياً، وعلى الأسس العلمية التى وضعها الكندي، إضافةً إلى ماتضمنته الأطروحة من نتائج نظرية أخرى، وبحث آخر عن أسلوب العرض والتقديم في المقام العراقي وأهمية أركان المقام، كما يعد بالتعاون مع جامعة لندن للموسيقى الشرقية والجهات المعنية في بريطانية لافتتاح (مركز العود الشرقي) بأشرافه.
إلتقيت مختار بعد أن حصل على جائزة أفضل عمل موسيقي لعام 1999 من اتحاد الموسيقيين البريطاني ورعاية شركة PEOPLE SOUND للأنتاج الموسيقي، وذلك عن اسطوانته C. D (كلمات) ، وبعد أن حضرت أمسياته التى أحياها مؤخراَ في جنيف وكانت ناجحة على غرار أعماله ونشاطاته الأخرى.
قدم مختار فى جنيف من خلال عوده الذي يعانقه دائماً وبأصابعه ومرونتها وانسيابيتها العالية مجموعةً من أعماله التى تدرك بعد أن يباشرها بقليل أنك تستمع الى أكثر من آلة والى أكثر من صوت في وقت واحد حيث طاقات العود الكامنة التي تظهرها براعته وقدراته العالية على استخراج الأصوات المتنوعة والغريبة أحيانا، فينقلك الى أجواء الفرح تارةً والى الشجن تارةً أخرى، خصوصاً عندما تستمع الى (كلمات) أو (عيون هناك) أو الى مقام من المقامات العراقية، لما تحمله تلك المؤلفات من روح مليئة بالحنين والشوق الى الأرض والمكان الأول والأنسانية العالية ،وتنتقل معه وبكل رغبة الى عالم التأمل والأفق عبر مؤلفاته الأخرى مثل (مناجاة) أو (رثاء النخيل) التى تعبر عن حياة شعبه اليوم.
_ “ صنعت وطناً من الحب أحمله في قلبي دائماَ وكل ماأملك هو من أجل هذا الحب الأنساني، أرسم بالموسيقى كل الأشياء الجميلة: الفرات، النخيل، الأهوار، بغداد، لعلني أصل الى ذلك الجمال” يجيب مختار بعد سؤالي عن تجربته في المرافقة الشعرية للكثير من الشعراء العرب الكبار.
_وهل هذا الأسلوب مستقل بذاته، خصوصاً وقد تحدث النقاد عن قدراتك العالية على التقاط الوزن الشعري؟
_التجارب التي سبقتني لاتؤكد أن هناك أسلوباً للمرافقة الشعرية مستقل بذاته لأنها لم تكن مبنية على أسس العلاقة بين الشعر والموسيقى، بل كانت تابعة لمجريات الحدث الشعري أثناء الأمسية، وهذا عامل مهم في أسلوب المرافقة ولكنه ليس كل شئ، لذلك سوف أتحدث عن تجربتي الخاصة وعن الأسس التي أستنبطتها لصياغة أسلوب مستقل يمكن للعازف الماهر، ذي المعرفة الجيدة بالعروض والألوان الشعرية المتعددة، العمل به. هذه الأسس تعتمد باختصار على الربط بين الوزن الشعري (البحور أو التفعيلة ) والوزن الموسيقي ( الزمن الأيقاعي ) وبين الطبقات الصوتية في إلقاء وأداء الشاعر والنغمات والمقامات الموسيقية في العود، وأيضاً بين إيقاع القصيدة وإحساسها العام وروحية العمل الموسيقي. هذه هي النقاط الأساسية، وهنالك بعض النقاط المهمة الأخرى مثل سير الجمل العروضية وبناء الجملة الموسيقية.
على هذا الأساس أستطيع أن أسميه “أسلوب المحاكاة” بين الموسيقى والشعر، هذا الأسلوب يتضمن سير العمل بتوازٍ وتآلفٍ هارموني لايقلل من أهمية أيٍ منهما، وهنا لابد من التأكيد على الأختلاف الكلي بين القصيدة الملحنة وأسلوب المحاكاة، ومن خلال تجارب عملية وعروض مشتركة مع شعراء عرب طبقت تلك الأسس التي استوحيتها من التجربة العملية، ولي أعمال ومؤلفات مستوحاة من قصائد شعراء عرب مثل بلند الحيدري ومحمود درويش ومظفر النواب.العود آلة موسيقية تحمل الكثير من مميزات الآلة الموسيقية العالمية، وقد أصبح الآن ذا مكانةٍ مهمة وجديراً بالإهتمام من قبل الموسيقي والمتلقي الغربي بعد أن اكتشف الكثير من جمالياته، وذلك بفضل الإهتمام الكبير به من قبل وسائل الإعلام العربي والغربي أيضاً، لذلك لا بد من تقديمه بشكل يتلاءم مع أهميته التاريخية ويتناسب مع مايحمل من إمكانيات موسيقية روحية وتقنية.
_ ورداً على سؤالي حول تاريخ العود ودوره عبر الحضارات وقدراته في طرح المواضيع والأفكار وهل يمكن لتقنياته أن توازي مستوى تلك المواضيع، قال:
_يرجع تاريخ العود الى القرن الثالث وتحديداً الى 2250 ق.ب في حضارة وادي الرافدين، وذلك حسب ما هو موجود في الرقم الطينية التي ذكرها العديد من المؤرخين الكبار والمحفوظة في المتحف البريطاني واطلعت عليها شخصياً. برز دور العود في العصرين البابلي الحديث والآشوري، وكان يستخدم في الموسيقى الدينية في ذلك الوقت وفي مجالات أخرى مثل موسيقى الأعياد، كان أصغر حجماً وأطول عنقاً ليسهل حمله أثناء السير في المواكب. تطور العود بحكم التفاعل الحضاري وصار الآلة الموسيقية الرئيسية في موسيقى شعوب المنطقة حتى العصرين الأموي والعباسي، وكلنا يعرف عن دوره الثقافي والموسيقي الذي وصل الى أطراف عديدة من العالم بفضل تطور وانتشار الحضارة العربية والأسلامية آنذاك وسبل إدخال الموسيقى في شتى مجالات الحياة الفلكية والفلسفية والطبية حيث كانت النظريات التي تخص الموسيقى ترى طريقها الى الشكل العملى التطبيقي من خلال العود. ومازالت آلة العود تتطور من حيث الصناعة وطرق العزف وأساليب التدريس الى يومنا هذا. إن آلةً بهذا العمق التاريخي والتنوع في الأستخدام منذ فجر الحضارات، بكل تأكيد لها القدرة والإمكانيات الفائقة على تقديم الكثير، لها القدرة على تقديم المواضيع العميقة المتعلقة بالإنسان. التجريد هو أحد المقومات الصعبة للموسيقى عموماً وللعود خاصةً، لكنها في نفس الوقت حساسة ومهمة لطرح الأفكار والمشاعر، وهنا لا مجال للحديث عن سعة الإمكانيات التقنية التي يمتلكها العود، أعني الصندوق الصوتي ونوع الأصوات الصادرة منه وشكل الزند ووظيفته، ولكن يجب القول أن هناك مشكلة في من يستخدم هذه الآلة أحياناً وفي جودة صناعتها أحياناً أخرى.
وعن مركز العود الذي يعد له بالتعاون مع مركز الدراسات الشرقية والأفريقية يذكر:
هذا المركز سوف يساهم بتقديم العود والموسيقى العربية وتعريف المتلقي الغربي بها عن كثب وبشكل حضاري وأكاديمي يليق بالموسيقى العربية ومكانتها بين الألوان الموسيقية الأخرى فى العالم عن طريق تقديم أمسيات العود المنفرد والموسيقى العربية ومحاضرات عن آلة العود والموسيقى وإقامة ورشات عمل واستضافة الموسيقيين العرب والأجانب.
وعن آخر أعماله والمستقبلية منها أيضاً، يقول:
إشتركت في مهرجان الموسيقى العالمي في كمبردج وأنا أول عازف عربي يشارك في هذا المهرجان منذ تأسيسه طبقاً لإرشيف المهرجان، وشاركت أيضاً في مؤتمر العود العالمي في مدينة كان الفرنسية وصدرت لي CD إسطوانة بعنوان كلمات، أما عن المستقبل فلدي دعوة للمشاركة في مهرجان الموسيقى التقليدية الدولي في إسبانيا وأستعد لإصدار إسطوانة جديدة وللإعلان (عن مركز العود الشرقي)، إضافةً الى بعض الأمسيات في عواصم عربية وأوروبية، جنيف ليست آخرها.
مختار يحمل الإرث الموسيقي والثقافي العربي معه أين مايكون، يقرب لك المسافات بما يحيطك به من مشاعر عبر موسيقى عوده حيث تسافر الى شوارع بغداد أو تتجول بين ظلال النخيل أوعبر التاريخ، دون أن تنتقل من مكانك.



