حفل موسيقي عراقي فـي لندن.. مكابدة اليأس بالموسيقى
يبدو وكان الأمر نضال اكثر منه متعة، لماذا ينتج العراقيون هذا الكم الكبير من الفن في أوروبا؟ هل لكثرة عددهم والمثقفين من بينهم علاقة بالامر هل لانهم لا يستطيعون فعل ذلك في بلدهم ام ان للأمر وجها آخر لا علاقة له بالفن مباشرة بل بشيء اخر اكثر صلة بالمنفى وتحدي الاغتراب والتمسك بما فقدوه او اخذ منهم عنوة؟ (بينما اكتب هذه المقالة وصلتني دعوة لحضور يوم عراقي ثقافي كبير في لندن يضم شعرا وموسيقى ومسرحا ومحاضرات.. الخ) كلما ازداد المنفى غورا والمستقبل قتامة كلما ازدادت ارواح العراقيين عنادا واعلنوا
عن ذلك بالشعر والرسم والموسيقى وغيرها من الفنون (ونحن نتحدث عن الفنانين هنا) لكن كثيرا من هذا العناد يجد متنفسه في صياغات الماضي وفنونه التي لاتزال تعيش في نفوسهم وكانهم يوطنون انفسهم في تذكارات من الوطن حملوها معهم. هذه الموسيقى هي بعض من الوطن المنقول (وهذه فكرة قديمة عمل فيها الفنانون في اماكن كثيرة من العالم وبينهم عدد لا باس به من العراقيين اعرف بعضهم شخصيا رسموا ونحتوا سلسلة من اللوحات والتماثيل عن الحقائب التي يحملها المنفيون معهم، مثلما اصدر عراقيون دواوين شعر وكتبوا قصائد عن نفس الموضوع، لكن الفكرة لازالت صالحة للعمل)، الامر الذي يجيز التساؤل ان كان هناك ما هو افضل من توقي مطر الحاضر (بله المستقبل) بمظلة الماضي ؟
اسس العراقيون فرقا موسيقية وغنائية عديدة في اوروبا ينشط اغلبها في حقل اعادة تقديم التراث الموسيقي (الماضي) الذي هو تراث (حديث) نوعا ما يعود القديم منه الى ثلاثينيات وربما عشرينيات القرن الفائت ، ذلك لانعدام التوثيق الموسيقي الدقيق قبل ذلك، ويقاس ابداع هذه الفرق بمستوى ودرجة التطابق مع الاصل، كما هو متوقع، لكن ذلك ليس الحال دائما، اذ قد تلعب عوامل اخرى بدرجة النجاح ربما يكون الاقتراب من الاصل ليس اهمهاسيجد المراقب لمثل هذه الحفلات بسهولة ان لدينا الان جمهور طيب القلب ومتساهل ومستعد للقبول باي درجة من الابتعاد غير المقصود (لاسباب ابداعية او تقنية) عن ذلك الاصل، اذ يكفي ان تعطيه الفرقة الموسيقية ارضية غير مسواة او بداية للحن ما حتى يتكفل هو بما تبقى، فكل واحد من الحضور سيعود الى الصورة التي يخزنها في ذاكرته لذلك اللحن او ما ارتبط به، وكنت حضرت بعض الحفلات لفرق اخرى بينها فرق عربية فتعجبت من المستوى غير المقنع الذي قدمت به اغاني تراثية معروفة ولكن عجبي ازداد عندما علمت ان كثيرين من الحاضرين لم يعيروا الامر اهمية بل ان بعضهم اشادوا بالحفل عموما، ويحار المرء وهو يتساءل ان كان الجمهور لم يع ما كان يجري حوله بينما الحقيقة ان معظم الحاضرين هم على دراية بمستوى الاداء لكن ذلك لم يغير من طبيعة استقبالهم السعيد للعرض فالمهم هنا هو التذكير بالاصل وليس استعادته كما هو، والنفاد من خلاله الى الماضي (السعيد)افتراضا.
فرقتان عراقيتان قدمتا مؤخرا عرضا مختلفا لصالح الاطفال المعوقين في العراق حضره اكثر من 800 شخص في قاعة كوين اليزابث هول في لندن احداهما فرقة مقام عراقي معنية بالحفاظ على قالب الاصل القديم للاغاني العراقية تكونت من خمسة عازفين على الات موسيقية قديمة هي الجوزة والقانون والناي والطبل والدف وهي توليفة ما يسمى ب (التخت العراقي) في العراق ومنهم مغن واحد بينما الاربعة الباقون هم المرددون، وامتاز اداء افراد الفرقة بالجودة والمهارة والمهنية العالية لكن اختياراتها وعملها كفرقة لم يرق لمستوى مهنية واحتراف افرادها، على ان الموضع الذي لا يمكن تبريره او الدفاع عنه هو كلمات الاغاني، تلك الكلمات المتغيرة في مقدمة الجسم الاصلي للاغنية القديمة والتي يفتتح بها المطرب وصلة المقام فاقل ما يمكنني وصفها به هو انها ذكرتني بنماذج كتاب المحفوظات عن شعر الفترة المظلمة، ذلك ان لم اشأ وصفها بالاسفاف والضحالة، شعرت احيانا بالخجل وانا استمع لها وتعجبت من اين استطاع المطرب تدبير مثلها، اذ لا بد وان كلفه ذلك الكثير من الجهد، ومع ذلك شهد العرض استجابة طيبة من الجمهور.
أما الفرقة الاخرى فان توجهها يجيب ضمنا على تساؤل محق عن معنى الاصرار على حضور التراث والماضي في موسيقانا المعاصرة، اذ انها تحاول ان تقيم علاقة حيوية مع التراث، تستمد منه وتحبه لكنها تنغمر معه بلذاذات ومخاطر الحاضر، تبدأ منه لكنها تبني على انجازاته وتسير منه لافاق اكثر سعة واقل محافظة، بعض مقطوعاتها مؤلفات معاصرة ومن اجل ان لا يبدو هذا البعض وكانه ينبعث من مكان مجهول بالنسبة للمستمع ويتجه الى لا مكان، فان احمد مختار الذي الف تلك المقطوعات وقاد الفرقة كان على دراية بالامر عندما وضع نقاطا مشتركة بينه وبين الجمهور.
جعل مختار مؤلفاته تبدأ من مواضع معلومة للمتلقين لكي يسير بهم بهدوء وحساسية الى مواضع يجهلونها، لكنها سرعان ما ستصير مالوفة لديهم، وهو يشبّه لعبة التاسيس على مواضع مشتركة، وهي البدء من التراث هنا، كما لو كان المرء يقود خيالا عصيا او طفلا صعبا عبر ما يعرف الى ما يجهل، يقول المختار (تقدم له طعامه مع السكّر الذي اعتاد عليه لكنك تعرف ان هناك مذاقات اخرى طيبة سيحبها ان انت قدمتها بلباقة وحب كان تبدا بتقليل السكر لصالح المذاق الجديد الاكثر فائدة لصحة البدن، سوف لن يحالفك النجاح اذا وضعت على مائدته وجبة جديدة تماما عليه وحرمته مما تعود ان يحب فالاعتزاز بالماضي والتعلق بالاصل عنصران قويان وتزداد قوتهما في حالتنا لانهما يشكلان دفاعا امام الاقتلاع ومحاولة امحاء الشخصية اضافة الى طبيعتهما الاصلية).
يحاول مختار ان يبرهن على ان موسيقانا التراثية ليست جميلة فقط وانما لديها[[ القدرة على الحياة ومعنى ذلك الاستمرار في المستقبل الامر الذي يتطلب مؤلفات جديدة تحتظن هذا التراث وتشذبه وتطور عناصره القابلة على الحياة
وتبعث الطاقة الكامنة فيه، ويربط مختار تلك المهمة غير اليسيرة بوجود فنان على دراية بما يحدث في عالم الموسيقى المعاصرة ويتقن ادوات عمله اضافة الى حبه واحترامه لذلك التراث، ومن اجل تحقيق ذلك اعتمد مختار اضافة للتوزيع الموسيقي الحديث والبناء الهارموني الات موسيقية غربية مثل الكونترباص والاكورديون والجلو يعزفها عازفون غربيون، والسبب في ذلك كما يقول هو اطلاق طاقاتها الحقيقية وتجنب توظيفها الجزئي عبر ذائقة العازف الشرقي وتقديم فهم جديد لحوار الالات الشرقية مع الغربية.
ذهبت محاولاتي للاستسلام للموسيقى والطواف في الماضي السعيد ادراج الرياح، كما يقال، فقد ابا جاري الا ان يبقيني حيث انا مذكرا اياي بكل ما حاولت الافلات منه، فهو لم يتوقف عن الحديث والوشوشة واطلاق التعليقات مرجعا اياي الى موضع اخر من الماضي وكاني في احدى سينمات بغداد الشعبية في السبعينيات، واذا ما توقف لسبب ما عن الحديث، اطلق العنان لمسبحته الثقيلة لتكر بايقاع رتيب ينسي ما عداه، وتصورت انه اختار اثقل مسبحاته واكثرها تصويتا للتعبير عن فرحه واعتزازه بالحفل العراقي على طريقته الخاصة.



