logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد و المؤلف الموسيقي و التدريسي

احمد مختار في مذكرات الوزير د. عطا الله مهاجراني (1)

ترجمة : مصطفى الشوكي

عطا الله مهاجراني الجمعة (29 كانون الثاني ) العاشرة صباحا ، مطار الجزائر وضع احمد مختار عوده على كتفه ، واقفون ، ننتظر صعود الطائرة من البوابة 21 في صالة الانتظار في مطار الجزائر - يسمونها العاصمة -أكتافه وقامته منحنية برخاوة تحت العود ، قلت : ان هذا العود صليبك يااحمد ! الجمعة الماضية ، كان احمد يتقدمني باربعة اشخاص ، كان الرقم 8 في طابور الانتظار في القنصلية الجزائرية في شارع كنزينغتون رود ..لم يبق في ذاكرتي منه الا لمعان عينيه السوداوين ، اليوم هو الجمعة من الاسبوع الاخر ، سافرت مع احمد سفرا طويلا وبعيدا الى اعماق التاريخ ، انه افضل عازف للعود . عزف العود في الحفل الختامي للمؤتمر.
عندما كنا نعبر من طابور تدقيق الجوازات سأل الشرطي من احمد : ماهو عملك ؟ قال : عازف عود ، سأل مني : ماهو عملك ، - عازف كلمة ! لمعت عينا الشرطي على انه لم يفهم وختم الجواز . هذه السفرة كانت سفرة عجيبة ، سافرت كثيرا ، لكن هذه السفرة كانت ساخنة وذات لون آخر ، بعض الاحيان ، وكما يقول حافظ[2] : يكون الحظ صديقك ومعينك فيحالفك ، سفري الاول للجزائر كان منذ 25 عاما ، حين افتتحت الدورة السادسة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر ، فترة رئاسة الشاذلي بن جديد ، حينها كنت عضو في الدورة الاولى لمجلس الشورى .
بيروت أُحتلت من قبل اسرائيل ، هاجر الفلسطينيون من لبنان . عرفات وابو اياد وابو جهاد ومحمود درويش وبسيسو ويوسف الخطيب وجورج حبش وخالد فهومي وحواتمة و ... كانوا في المؤتمر ، كنا نقيم في فندق اوراسي ، كأنه أعظم حوت خرج من البحر ووقف على الساحل . في السفرة الثانية اقمنا في نفس الفندق ، هذه المرة كان مؤتمر الكتاب العرب المهاجرين والمهجرين ، كانت فرصة للفكر والحلم ، حوارات مع الكتاب والفنانين الذين صنعوا لهم عوالمهم في كل زاوية من زوايا العالم ، من الموسيقار احمد مختار عود مختار في السفر الى النحات والروائي عاصم باشا ، القاص والرسام حماد الهاشمي ، وعبد المنعم الفقير الشاعر العراقي الذي يسكن الدنمارك ، والذي ليلتها قرأ شعراً مقابل الغار الذي كان سروانتس مسجونا فيه في منطقة بلوزداد . كل واحد من الضيوف عندما تقترب منه يرتد سؤالا منك اليك يقول : لماذا لم اتعرف عليه من قبل ؟!!
من جهة اخرى لم استطع تجاوز ذكريات ، فانها الجزائر مرة اخرى ، حوارات مع الكتاب الجزائريين ، ثورة الجزائر ، الكل كانوا يرغبوا ان يسمعوا مني عن ايران والثورة الاسلامية ، عاصفة تداعي الذكريات لم تتركني ، كيف يمكن السيطرة على هذه العاصفة وايقاعها في حبال الكلمة ، من الطبيعي لايمكن ذلك ، وهذه الحيرة لاتستقر ، وعلى قول مولوي[3] : انه كقطرة ماء لا رأس لها ولا قدم ، فلاتعلم من اين تمسكها .
مثلا : حماد الهاشمي كان لهباً راقصاً ( يخرج الدخان من اللهب دائما ، عكسي انا فلهب وجودي من دخان قلبي ) ، شعر أشعث ، ملابس بسيطة ، وعيون تنبض بالصدق والمحبة .
في هذا الغار سُجن سروانتس ، بعد بضعة اقدام نفس الساحل الذي تمشى فيه كامو وابدع فيه ( الغريب) ، بعد فاصلة ، المكان الذي رسم فيه دلاكروا لوحاته ، غار عبق برائحة دون كيشوت ، والبحر الذي وصفه (كامو) في الغريب ، وبشكل اخر وصف في لوحات دلاكروا ، عجبا ! كيف لذهني ان يطيق مثل هذه العاصفة !! غار سروانتس ، وبحر كامو ، ولوحات دلاكروا .. الجزائر ، فلسطين ، وايران ، والعراق ..العود يميل على كتف احمد كالصليب ، نتحدث عن علاقة القصة بالموسيقى . وصلت للصفحات الاخيرة من كتاب ( الطرف الاخر للعتمة ) لموراكامي ، سأنتهي منه حين وصولنا لندن قطعاً . انه موسيقار ايضاً ، دهر قضاه مع آلته الموسيقية من هذه المدينة لتلك ، واليوم الملايين ينتظرون قصصه ، انهم يعلمون ان في كل كتاب جديد له حدثا جديدا ، الشاب الجزائر الطباخ الذي اشار الى حكاية الاخوة الثلاثة، هل كان يعلم اني سأصل الى مؤتمر الكتّاب ؟! وان حكاية الاخوة الثلاثة ستكون بمثابة حجر الاساس لهذه الكلمات ؟! قال : ان احمد مختار افضل عازف للعود ، عود احمد كما البربط[4] او النهر . حملنا معه الى اعماق التاريخ .

الصفحة الاخيرة :

في الواقع ان عودي كائن حي ، يغضب ، يسكت ، يبتسم ، يبكي ... عندي ثلاث الات عود ، عندما اتأخر على احدهم احسه ينزلق من بين يدي ، عندما هاجر من العراق ، هاجر معه عوده ، كان فترة في ايران ، يتكلم الفارسية ، بحث كثيرا في تاريخ العود . يقول : ان من اكثر الحوادث حزنا في التاريخ ، حين قصّ باربد[5] اصابعه ، كانت هذه الجملة كافية لتهيج جمع الحاضرين ، تحركت امواج كموج البحر في عيني عاصم الزرقاوين ، فتح كفيه للسؤال ، وكأنها في حالة دعاء ، او ربما كانتا كطير يهم بالطيران ، لم لا ، الم يتحدث الحجر بين يديه ؟ يسأل : لماذا ؟!! سؤاله كان حادا وهائجا وكأن باربد منذ ساعة كان صديقا لعاصم ، قص اصابعه ! اقول في نفسي : هل هناك علاقة بين بربط وباربد[6] ؟!

انها نفس الالة التي كان يعزف عليها رودكي[7] في زمن ما .
--------------------------------------------------------------------------------

[1] - د. عطا الله مهاجراني . وزير الثقافة والارشاد الايراني في الفترة الرئاسية الاولى للرئيس الايراني السابق محمد خاتمي

[2] - شمس الدين محمد حافظ الملقب بـ«خواجه حافظ الشيرازي» والشهير بـ«لسان الغيب» من اشهر الشعراء الايرانيين ونجم ساطع في سماء العلم والادب في ايران. ولد في حدود عام 726 هـ.ق في مدينة شيراز التي كان يعشقها بكل ما للكلمة من معنى ودفن فيها .

[3] - مولوي : من كبار الشعراء في تاريخ الادب الفارسي : جلال الدين محمد ولد عام 604 هـ وتوفي عام 672 هـ اثر مرض مفاجىء ، تميز شعره وعرف بالعرفان ، من كتبه : المثنوي المعنوي ، غزليات شمس ، الرباعيات ، فيه مافيه ، المكاتيب ، المجالس السبعة .

[4] - نقلتها هنا كما ذكرها الكاتب وطبعا قصد فيها العود . فقد ذكر الخوارزمي في كتابه مفايح العلوم في الفصل السابع والاخير والذي كان حول الموسيقى ان البربط هو العود والكلمة فارسية وهي بريت أي صدر البط لأن صورته تشبه صدر البط وعنقه

[5] - كان من كبار عازفي العود الايرانيين ، مسبت اليه الكثير من الالحان والاضافات كما ذكر ذلك الفارابي في كتاب الموسيقى الكبير كما ذكره الخوارزمي ، عاش في زمن الملك الايراني خسرو برويز الذي حكم ايران من عام 590 م الى عام 628 م ، كان مقربا جدا من هذا الملك ويحبه حتى صنع له 360 لحنا يعزف له لحنا في كل يوم من الايام وعلى طول العام ، حين توفي خسرو برويز حزن عليه باربد حزنا عميقا فلم يعزف على العود او اي الة بعدها ، ثم قام بقطع اصابعه .

[6] - من المؤكد ان العلاقة وثيقة بين بربط (العود) وباربد وكما اشار اليه الخوارزمي في مفاتيح العلوم حين كان يتحدث عن العود واقسامه والحانه حين قال :الدستان أيضاً اسم لكل لحن من الألحان المنسوبة إلى باربد .

[7] - هو ابوعبدالله جعفربن محمدبن حکیم ‌بن عبدالرحمن‌بن آدم المعروف بــ رودكي ولد عام 329 هـ ق ، يحكى انه كان ضريرا ، اعتبره البعض على انه ابو الشعر الفارسي ، كان شاعرا غنائيا في الكثير من اشعاره كما كان يجيد العزف على بعض الالات الموسيقية.

Powered by PhPeace 2.3.2-r23