المدى الثقافي: تعقيب: هل نتفق مع الشاعر شاكر لعيبي؟
قرأت مقال الصديق الشاعر شاكر لعيبي (إلقاء الشعر بصفته دليلاً على حداثة ناقصة ) المنشورة في صحيفة المدى يوم الثلاثاء 8 تموز 2008 في الصفحة الثقافية .الحقيقية لا اخفي اعجابي بتناول مثل هكذا موضوع و لاسباب عديدة منها:
1- الموضوع يتطلب دراية صوتية و نغمية و معرفة سمعية بالقصيدة المموسقة او موسقة القصيدة.
2- قلائل هم الذين يتناولون هكذا موضوع بسبب نقص المعرفة السمعية بالموسيقى.
3- المقارنة بين شيخي التجويد عبد الباسط عبد الصمد (نموذجا للتنغيم) والشيخ سعود الشريم إمام الحرم المكي (نموذجا للترتيل غير المنغم) مقارنة بالجانب الموسيقي والنغمي صائبة. وكذلك اختيار سورة الفاتحة بصوت عبد الباسط على مقام الرست مثال غاية في الوضوح لانه تجويد قل نظيره وصعب الاداء.
و من المفارقة انني اخترت هذه السورة و بصوت عبد الصمد في بحثي المعنون (الموسيقى بين الحرام و الحلال) المقدم لجامعة لندن(سوس) للتدليل على الموسيقى في بعض الطقوس الدينية.
4- اعتبر الموضوع في غاية الاهمية ، و قد يختلف مع موضوعنا " المحاكاة الشعرية " بين الشعر و الموسيقى حيث يُقدمان على المسرح بشكل متواز وبالاهمية نفسها والتي اقترحناها منذ اكثر من سبع سنين مشروعاً بديلاً عن المرافقة الشعرية التي همشت الموسيقى لصالح القصيدة احيانا و اضعفت القصيدة لصالح الموسيقى احيانا أخرى.
هنالك عناصر متعددة يتكون منها التذوق والإنصات الواعي لموسيقى الاشياء، لكن يبقيان (الإيقاع و النغمة) هما الأساس ، ومصدرهما الزمن والصوت وهما عنصران أساسان بدائيان وغير منتظمين في الطبيعة قياسا إلى بنائهما في الموسيقى و هما يقابلان الشكل المتطور والراقي لهما فيها المتمثل في الإيقاع والنغمة. وإدراكهما الأساس في عملية تضمين الموسيقى لأي مؤلف ادبي او فني ابداعي. وهنا لن ادخل بمناقشة موضوع الاستماع او الانصات او التفكيك الفيزيائي للموسيقى، لكن أود معالجتهما توضيحاً للفكرة, لأنني أعتقد ان المثقف ذا الحس النغمي او الموسيقي سيرتقي عمله اكثر بإدراك اهمية الموسيقى و الاحساس بها. و لجعل عملية ادراك الموسيقى في القصيدة أكثر وضوحا لابد من القيام بتجزئتها إلى العناصر الأساسية.
ولو نأتي إلى الإيقاع باعتباره العنصر الأكثر أهمية الذي تحتوية القصيدة , نجد أن الإيقاع فوري ومباشر في تأثيره علينا لدرجة نحس بأصوله البدائية لانه جزء من تكوين الانسان و الكون ككل وهنالك الكثير من الشواهد على ذلك منها ربط حركة الأجسام و الإيقاعات الأساسية و الضربات المنتظمة لقلب الإنسان وحتى وقع سير أقدامه. و تزويد المستمع بالإحساس الزمني عن طريق الإيقاع سوف يجعله يدرك تأثير القصيدة. و لابد من المعرفة البسيطة حول التكوين الإيقاعي لتاسيس رؤية حول أهمية الإيقاع في عملية الاستماع. و هناك رؤيا اكثر غنى للإيقاع إذا استطعنا أن نفرق بين الوزن و الإيقاع .و بمقارنة بين وجودهما بالشعر و الموسيقى ندرك ذلك، فأذا قطعنا بيتا من الشعر معتمدين على التفعيلة سوف نقيس وحداته الزمنية فقط ,و هذا يحدث في الموسيقى عندما نقسم العلامات الموسيقية ونجعلها في وحدات متساوية( الحقل Mesure-or- Bar- ) إذ في كلا الحالتين نحصل على حس التقطيع فقط, أي الوزن. و لكن إذا قرأنا البيت الشعري واضعين في البال الإحساس بالمعنى دون التوقف لما تتطلبه التفعيلة سوف يتحقق الإيقاع. ويتحقق أيضا في الموسيقى إذا شددنا النبرة Accent) ) على العلامات الموسيقية طبقا للإحساس بالجملة الموسيقية. و بالمناسبة هذه النقطة هي جوهر العلاقة العملية بين الشعر و الموسيقى و بين فنون إبداعية أخرى مثل الرواية، الرسم، السينما المسرح. و نحن طبعاً نبحث عن الايقاع في القصيد و ليس الوزن، و بأعتقادنا الخاص لا توجد قصيدة ناجحة تخلو من الايقاع، اما القصيدة الاخرى فالوزن هو الابرز فيها.
أما العنصر الأساسي الثاني فهو النغمة (Tune ) التي تُكون الطبقة الصوتية- Pitch ( و هي شكل و عدد الذبذبات المنتظم الصادرة من الآلات او الأصوات البشرية او الطبيعية في احيان قليلة) اما المسافات (Intervals ) بين الطبقات الصوتية فيتكون منها اللحن Melody) ) و يكتمل بالديناميكا أي الأداء. ترتبط فكرة اللحن بالانفعال الروحي و الشيء الأهم في اللحن خاصيته التجريدية (Abstract) التي توقظ الاستجابة الروحية( Spiritual Responds) لدى المستمع. و لتقريب الفكرة أستطيع القول أن النغمة تشبه إلى حد ما عملية تشكيل الكلمة و ما تحتويه من حروف ،مثلاُ الكلمات التي تجتمع فيها حروف مثل ( العين ، القاف، الجيم ، الطاء) سوف تكون اقل موسيقى من كلمة تجتمع فيها حروف مثل (الفاء، الراء، الف، الياء و حروف اخرى) لان لكل حرف صوتاً خاصاً، لذا فالإلقاء في الشعر يعتمد على الانخفاض و الارتفاع في الطبقة الصوتية و طريقة أداء المفردة للتعبير عن الموسيقى الداخلية التي تحتويها القصيدة و في احيان اخرى تنغيم مضاف للقصيدة ليصبح مدخلاً للتمعن في صور القصيدة. لذا نجد أن الشعراء الذين لديهم خامة صوتية مميزة أو يستطيعون الغناء البسيط هم أكثر قدرة على تصوير موسيقى الكلمة في قصائدهم.
سيكون مفتاح بناء قصيدة مموسقة بين يدي الشاعر الذي يعرف موقعه في سير أحداث العمل الشعري نغمياً إذا استطاع أن يميز اللحن و هو مرحلة متطورة تأتي عن طريق أدراك النغمات و الإيقاع معاً.
على الرغم من ان الشاعر شاكر العيبي لم يتحدث بشكل مباشر عن المفاضلة بين الاسلوبين و نستطيع ان نطلق عليهم (الالقاء المنغم ) و(الالقاء المرتل) . لكنننا نستطيع ان نجتهد و نقول ان القصيدة العربية ذات الصور الشعرية البارزة لابد لها من ان تحمل تدفقاً موسيقياً عالياً مما لا يستطيع ان يخفية الشاعر اثناء الألقاء، اضافة الى ان الشعر العربي بأمس الحاجة للتنغيم لتقريب الشعر من اذن المتلقي و تأطيره لكي يكون التنغيم مدخلاً جيداً لقبول القصيدة صوتياً و لأبراز عنصر الموسيقى في القصيدة، و من ثم ادراك القصيدة بصورها وبمحتواها ككل. وكما يعرف العيبي ، ان علاقة الجمهور العربي بشعره ليست هي العلاقة الاوربية نفسها، و ان اصوات الحروف في (اللغة الانجليزية او الفرنسية) هي ليست حروف اللغة العربية نفسها، مثلاً حرف R ، يلفظ بالانجليزية (ا) مثل كلمة Water ماء تلفظ (ووتا) او (ووءا) في الانجليزية اي ليست (ووتر) كما يلفظها العرب برائهم الثقيلة، فعليه ان موسيقى حروف اللغات الاخرى هي ليست مثلها في العربية وبالتالي الكلمة و الجملة و ايقاعها الداخلي و الخارجي يختلف عن اللغة العربية، فما ينطبق على اللغات الاخرى ليس بالضرورة ينطبق على العربية. اضف الى ذلك هنالك عزوف عربي عن الثقافة بشكل عام، لذا نحن اليوم بامس الحاجة لايجاد طرق تواصل و عوامل جذب للمتلقي.
ما نستطيع اقتراحة في عملية الالقاء اذاً ، أما ابتكار طريقة جديدة لتساعد على التواصل، او الابقاء على الالقاء المنغم اي الطريقة القديمة، ولا ضير في العمل على الاثنين، اما الخوف من طغيان الألقاء المنغم و المبالغة فية على حساب الصورة الشعرية او على حساب اللغة، فلنتركه للمتلقي الذي سيدرك ذلك حين الولوج الى عالم القصيدة المتنغمة قصراً او لفظاً.
ان نكون قد وفقنا لاننا بحاجة الى بعض التطبيقات العملية في الموضوع ما يؤازر افكارنا



