أحمد مختار يعزف للجنوب العراقي المغيب
مختار في معهد العالم العربي بكونها المرة الأولى التي يقدم فيها مختار عددا مختلفا من أعماله في الكثير من الألوان الموسيقية و القوالب التقليدية التي قدمت بأطر حداثية وبقوالب تجريبية . قطع موسيقية جاءت من وحي الموسيقى العراقية و العربية و الأكثر إثارة من وحي تجربة العازف مع الموسيقى العالمية. الأمسية تميزت بأنها الوحيدة التي قُدم خلالها مختار أطوارا ومقامات الجنوب العراقي ذات العمق الحضاري الذي يمتد إلى آلاف السنين وهي موسيقى السومريين و البابليين و الاكديين . هي مقامات غابت او غيبت عن المشهد الموسيقي الدولي في السابق وتقدم لأول مرة لجمهور باريس ومعهد العالم العربي. عزف مختار بأصابع اليد اليمنى وبدون الريشة قطعة موسيقية من مؤلفاته اسمها أصابع بابلية استوحى بها الأسلوب البابلي للعزف وقتذاك وهي ما أنتجته قراءاته و بحثه في موسيقى الحضارات القديمة . كما قدم مقام وطور (الصبا) الذي يعود أصله إلى ديانة سومرية قديمة في اهوار العراق هي الديانة المندائية التي مازالت موجودة في الجنوب. أما مقطوعة الطائر فترمز إلى حرية الروح بحركتها السريعة حيث أظهرت أصابع مختار الكثير من الرشاقة في التنقل بين جميع مساحات العود و مواضعه . سماعي بغداد قالب من العصر العباسي بإطار و إيقاع من ابتكار مختار كما هو حال مقطوعة اسبانيا حيث تلتقي الحضارات اذ تمزج وبانسجام عال بين آلة الجيتار الاسبانية وآلة العود. وقد قدم أغنية الغجر من وحي قرطبة ثم تنويعات على أغنية عراقية قديمة أضاف لها مختار مقاطع تنويعية لا نستطيع فيها التفريق بين اللحن الأصلي و المضاف. وكانت هناك قطعة قصر الحمراء وهي من وحي زيارات مختار الأخيرة إلى اسبانيا التي قدم فيها أكثر من أمسية. برنامج الأمسية كان متنوعا اخرج العود من إطاره الضيق و ذهب مختار به إلى مساحات أوسع ليجعل من ارث الثقافات و الشعوب الموسيقية في متناول الذائقة السمعية للمتلقي . دقة في العزف ورشاقة بالأصابع ثم ذلك التلون المقامي المتعدد الذي قاد إلى حساسية روحية ودفق عاطفي متميز لذا أطلق على مختار شاعر العود. الحضور الذي وصل تعداده إلى أكثر من 300 شخص ملأ الجزء الأكبر من القاعة كان نوعياً لوجود عدد متميز من الفنانين العراقيين والعرب وبعض المستشرقين مثل الفنان التشكيلي العراقي سليم عبدالله الذي قال " احمد مختار له مشروع عزفي متميز عن كل مجايليه و البحث في ثنايا الموسيقى و الإرث الموسيقي العراقي بأسلوب عالمي" . إما المخرج المسرحي جواد الاسدي فقد قال: ان التفاصيل في العزف و الدقة مشروع لا يستطيع الجميع الوصول له حتى و أن تبنوا هذه النقطة نظرياً ، مختار أنجزها مما أضاف له ميزة في مشروعه الموسيقي. وأعرب حمادي الهاشمي وهو فنان تشكيلي عراقي، ان مختار يدخل العالمية بمشروعه الموسيقي الواعي والعميق و البعيد عن الادعاء فلا تجد اختلافا بين تنظيره الموسيقي الذي تميز به عن الآخرين وعن عزفه والمادة الموسيقية التي يطرح على المسرح. بل عندما تستمع له في العرض يصبح التنظير إضافة بسيطة. صلاح الحمداني شاعر عراقي فرنسي يتابع ويعمل مع مختار منذ فترة طويلة يتحدث عن هذه التجربة عن قرب " احمد مختار عازف مجدد بشكل عميق وعملي الى درجة انه يسير بطريق آخر منفرد في عالم الموسيقى العربية في أوروبا. وهو تجريبي ممتاز متأثر بموسيقى التجريب الكونية رغم انه يستند على أسس جيدة من التراث الموسيقي العراقي العربي. يصعب على الكثير من الفنانين إدراك مشروعه بسبب نقص الثقافة او أسباب أخرى غير فنية. عازف الجيتار الاسباني المعروف مانوئيل الذي اشترك مع مختار في أكثر من أمسية يقول: إن العالمية لا تعني ان تعزف في مدن كثيرة من العالم وفي بقاع كثيرة من الأرض ولا تعني العالمية ان تعزف مع آلة غربية وتشوه آلتك الموسيقية الأصلية. العالمية هي ان تقدم مؤلفات موسيقية بأسلوب متجدد و بأطر متنوعة تجعلها مستساغة و مقبولة من قبل الثقافات الأخرى وبالوقت نفسه تحافظ وتبرز جماليات آلتك الروحية قبل التقنية وكل ذلك من خلال المضمون لا الشكل اي من خلال القطعة او المؤلف الموسيقي وليس من خلال الصورة، وهذا متحقق في الأمسية من وجهة نظري.



