logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

*على الفنان أن يربئ بنفسه عن المتاجرة بأمال الناس!

11 شباط 2008

المشاهد السيلسي عازف العود والموسيقار العراقي أحمد مختار لـ"المشاهد السياسي"
*يمكن للعود أن يلعب دوراً ريادياً في حياة الموسيقى العربية، فالعود اليوم هو الوحيد، كآلة منفردة، الذي يتقدم الموسيقى الصرفة *في ثقافتنا
*لست مستعداً لإدخال الفن في أي لعبة سياسية، أو لعبة زعامات، أو لعبة أقنعة واستثمار تقف وراءهما رغبة محمومة بالحصول على المال والمجد المزعوم.

لندن: "المشاهد السياسي":
يعتبر أحمد مختار أحد ألمع عازفي العود والموسيقيين العراقيين والعرب، وهو إلى جانب كونه مؤلفاً موسيقياً له قدم أعماله في كبريات القاعات الموسيقية في العالم، له العديد من الأعمال التأليفية للعود وآلات أخرى، والعديد من الاسطوانات التي صدرت له عن كبريات الشركات الموسيقية العالمية، وقد أجاد العزف على مختلف الآلات الوترية، لكن اسمه ارتبط بآلة العود، عزفاً وبحثاً وإبداعاً موسيقياً وتدريساً للآلة في جامعة لندن. إنه أحد أبرز أبناء المدرسة العراقية الحديثة في العزف، والتي يعتبر الأخوين جميل بشير ومنير بشير من آبائها البارزين. تتلمذ مختار على هذه المدرسة التي تختلف عن غيرها من مدارس العود بإبداعيتها الجديدة وتأمليتها الخاصة، وصوفيّتها ومغامرة موسيقييها اللامحدودة في عوالم الرهافة الشعورية، ودنيا التجديد.
مؤخراً عاد مختار من جولة في أوروبا انتهت به في دبي حيث وقع العديد من العقود لإقامة حفلات وتأليف الموسيقى التصويرية وإنتاج الأسطوانات.
"المشاهد السياسي" التقته في هذا الحديث المميز حول آخر أعماله وآرائه في الموسيقى وعلاقتها بالمجتمع والناس والقضايا.

سألت الموسيقار أحمد مختار:
ديفيد هيوز
- حدثني عن حياتك في أوروبا، وما تركته في فنك، عن الاغتراب و المنفى والحرية، وعلاقة هذه الأقانيم بالفن والموسيقى خصوصاً؟
- الاغتراب والمنفى منحناني الكثير من الأشياء، منها...الحرية .. بكل ما تعنيه … من بعد إنساني .. وكل ما تحمل من ألم.. الحرية حتى في اختيار أخطائك .. وأجمل ما في حريتي هذه أن أحداً لم يمنحني إياها وإنما هي ثمرة تجربة شخصية إنسانية ووجودية، ربما عن أكثر ما يربك البعض في مسلك الفنان عندما يهاجر ويغترب هو تخلصه من بعض العادات السلبية التي ترافقه في الأوطان. لقد ابتعدت سنينا ضوئية عن حياة العيش من أجل إرضاء الأخر. إن هذا الشعور لا يوازيه شعور آخر، وهو عزائي من الفراق، فراق الأهل، والغياب عن ملعب الطفولة والصبا. صرت أمارس دواخلي كما أشتهي وكما يمليه علي وعيي وشعوري، وكما تتطلبه ثقافتي وإنسانيتي.
على أن أبرز ما منحني إياه اغترابي أن المنفى جعلني أتعرف على تجارب إنسانية عظيمة، والخوض في عالم ثقافي مفتوح، عالم من الافكار والأصوات والمرجعيات الموسيقية والإبداعية المختلفة، كذلك هناك نسيج إنساني أعيش فيه وأتأمل في طبيعة تكوينه، واقارنه باستمرار بالنسيج الشرقي الذي جئت منه. كذلك صرت أرى واقعنا وثقافتنا بكلتا عيني، وأكثر عمقا.

بعيداً عن الوطن
- ولكن ألا تشعر أنك في بعدك عن العراق، قد فقدت بعض الحرارة في العلاقة مع الأرض والناس والأحوال، بل والقدر اليومي للناس الذي يصنع الفنان؟
- المنفى، يا صديقي قدر، وليس اختياراً، رغم أنه قد يكون مرات اختياراً. من ناحيتي أرى أن الفنان يبدع في كل مكان، فهو روح حر، ورسالة حرية، وانقطاع إلى تبليغ الرسالة الفنية والجمالية أشبه بانقطاع الصوفي إلى عالمه، عالم الحق والحب الإلهي. من ناحيتي أشعر بعمق أن المنفى جعلني أكثر قربا إلى الوطن فالوطن ليس مكاناً خارجياً وحسب، إنه مكان داخلي أيضاً، يعيش فينا، بل إننا نتنفسه في رئاتنا. وإذا أستعيد أمكنة طفولتي فإنني صرت أعيشها بكل تفاصيلها . كثير ما مررت بالأمكنة التي كنت أحب ولكن لم أعشها مثل ما أنا اليوم بكل تفاصيلها، فأنا أعيشها ومعي كل تجاربي مع الأمكنة الأخرى التي زرت في أوروبا واميركا وآسيا وإفريقياً، لقد تجولت كثيراً حول العالم ومعي آلتي وموسيقاي في رحلة تبليغ الرسالة، وكلما مشيت في شارع جديد علي، رأيت فيه ملمحاً من الشارع الذي عشت فيه طفولتي في بغداد. ولكن أي حرية كانت تتدفق في روحي، فالحنين إلى البيت الأول، لم يحل المشكل الوجودي الذي يلازمني كفنان، إنني أشعر بانتماء إلى العالم كله، ووحده هذا الانتماء يجعلني أشعر بإنسانيتي. وفي ظني أن الفنان الذي يجرب طعم الحرية، ويجرب الذهاب في العالم، أكانت تجربته شقية وحزينة، أو مبهجة وصاعدة، سوف لن يعود يرضى بالفكرة الصغيرة عن الوطن الصغير مسقط الرأس، فالوطن الحقيقي للإنسان هي الأرض كلها. ولو جرب السياسي طعم الحرية الطبيعية لندم على كل حياة مقيدة يعيشها.
من هنا، فأنا أرى أن الموسيقي الحقيقي لا يمكن أن ينتج بعيد عن مناخ الحرية.

مواقف الفنان
- لك مواقف شجاعة في تعريف العلاقة بين الفنان والمجتمع، والفنان والسلطة، وتعتبر أن الفنان أقوى من السياسي.. هذا من جهة، ومن جهة ثانية تصور لنا نموذجاً من الفنانين موسيقيين ومغنين عبارة عن مهنيين ليس إلا؟
- الواقع أنني صاحب مواقف طبيعية ليس إلا، فأنا لا استطيع أن أكون شخصيتين
واحدة فنية وأخرى إنسانية، وإنني لأعجب من أولئك الفنانين الذين الذين أكلوا على مائدة السلطان وضربوا بسيفه، وعندما عاش هذا هذا السلطان محنته تخلوا عنه، وفتشوا عن سلطان آخر يأكلون على مائدته ويضربون بسيفه. والشيء الذي يحتاج منا إلى انتباه أن هؤلاء الفنانون الكذبة الذين طالما اعتاشوا من السلطان تحولوا في الآونة الأخيرة إلى الجمهور العريض، فاعتبروه هو السلطان الجديد الذي يمكن امتداحه، وامتداح غفلته والمتاجرة بقضاياه وبالتالي العيش على مائدة الجمهور بصفته سلطاناً جديداً يصورون له أنهم الناطقون باسمه، واي شيء يقولونه إنما هو من اجله، والواقع انهم يتاجرون بعذابه وآلامه، ويلهون بآماله. لقد نقلوا إلى علاقتهم بالجمهور القيم نفسها التي حكمت علاقتهم بالسلاطين والحكام. وهؤلاء الفنانون الكذبة كذبوا على الفن، وكذبوا على الناس، وكذبوا على السلاطين وكذبوا على انفسهم. والطريف أن فيهم من صدق أكاذيبه.
أنا لا أتورع عن تشخيص هذه الحال في أحاديثي، لأن الفن الموسيقى ليس مجرد رسالة طرب، كما يريد لها البعض، وليست مجرد رسالة جمال وحسب، إنها موقف من حياة بكل ما يزخر به، وكل ما يموج فيها. مما يؤسف له أن الوعي الاجتماعي والفكري لدى الفنانين العرب ضعيف جداً، والكثرة من الفنانين تفصل بين الفن وكل شيء. والفن عند كثيرين عمل تجاري، والنجاح يأتي من عند الله، و"الرضى من عند الله والوالدين"، أما الأعمال فهي بعيدة كل البعد عن جوهر حياة الناس، ولا شيء بالتالي يفعله الفنان سوى انتظار هبوط النجاح عليه بالمظلة فهو محبوب عند جمهور ركيك فنياً. بينما الفن في جوهره وفي صيرورته عمل يومي دؤوب، وبحث في الجمال والفكر، وابداع بشروط مركبة وله ارتباط بكل ما يدور في المجتمع والعالم. مثل هذا الفهم البسيط هو ما يحكم تصورات العاملين في دنيا الموسيقى والطرب والغناء وعالم الفن عموماً، وبالتالي يسهل على بيئة كهذه أن تزهر فيها أفكار ساذجة، وأعمال ساذجة، ويزدهر فيها النصابون، والذي يفعلون أي شيء وينسبونه إلى الفن، من دون أي وازع أخلاقي.
المشاهد السياسي 3
بين الموسيقى والغناء
- هناك في ثقافتنا العربية ارتباط بين الموسيقى والغناء إلى درجة تدعو إلى اليأس، وفي أحسن الأحوال، الموسيقى هي مجموعة أصوات تصدر عن فرقة، وهذه الفرقة في خدمة المغني فهو الشخص الوحيد الذي يمكن قبوله منفرداً.. ولكن ماالذي يستطيع أن يقدمه العزف المنفرد خدمة للموسيقى اليوم؟
- الموسيقار والعازف المجتهد الذي يدرك موقع العزف المنفرد ودوره والمسؤولية التي تقع على عاتقه في النهوض بالموسيقى، وتحريرها من تسلط الكلام عليها، يمكن أن يقدم الكثير لمشروع الموسيقى الصرف أعني غير الغنائية ويمكن أن يسجل إضافات مهمة في رسم الشكل المتطور للموسيقى ولنا في منير بشير مثال رائع حيث أن مكانة العود اليوم هي ليست مكانته قبل 40 سنة وذلك للجهد الكبير الذي رافقه الإبداع العالي الذين قدمهما هذا الفنان الكبير، والذي استفاد منه الكثير من العازفين واستطاعوا تقديم أنفسهم من تحت معطف هذا الفنان، وللأسف هناك بينهم تلاميذ لمدرسته أنكروا فضله الكبير بعد ذلك. ولكن أن نعتقد أننا نستطيع الوقوف بوجه ما هو موجود من موجات الأغنية التي انحطت بالموسيقى وحتى بالكلام، فهذا لا يحدث بسهولة. وذلك لأننا عرفنا عبر تاريخ موسيقانا المديد أننا أصحاب ثقافة موسيقية غنائية أكثر من غيرها، وذلك يعود لأسباب كثيرة، من جهة أخرى لا نستطيع التوقف عن مواكبة التطور التكنولوجي الموسيقي، ونحن لا ندعو إلى ذلك، لكن ما أرجوه هو حسن التصرف، وأخذ ما يلائم موسيقانا من خلال دراسة العلوم الحديثة والموسيقى العالمية المتطورة وتطبيقها على الموسيقى العربية اليوم.
لذلك فإن ما يستطيع تقديمه العازف المنفرد ليس إظهار إمكانيات هذه الآلة بأعلى تقنياتها فقط، كما يحدث على الفضائيات، بل و إظهار روحيات هذه الآلات وروحانياتها أيضا وهذا أهم. أي بمعنى آخر إطلاق طاقة هذه الآلات وإمكاناتها المبدعة، عن طريق الوعي بما يمكن لهذه الآلات القيام به. من جانب أخر الحث على الوعي الموسيقي بدءا بالدراسة الموسيقية الأكاديمية العالية وانتهاء بالآداب والفنون و أهمها الشعر . بطبيعة الحال يمكن للعود أن يلعب دوراً ريادياً في حياة الموسيقى العربية، فالعود اليوم هو الوحيد، كآلة منفردة، الذي يتقدم الموسيقى الصرفة في ثقافتنا، رغم أن هنالك محاولات لآلات أخرى، لكنها لم تتشكل بعد لتكون فعالة مثل العود .

علاقة البيانو بالعود
- لكن كيف ترى مثلاً إلى العلاقة بين العود وآلة أخرى لبناء كونسرت موسيقى، وتقديم أعمال موسيقية حوارية بين آلتين؟
- أنا مع كل شكل من أشكال المحاولة لخلق حوار جديد بين آلة العود، كآلة مركزية في الموسيقى العربية، والآلات الموسيقية الأخرى، بل إن تطوير الموسيقى لا يمكن أن يتم من دون ذلك، ولا أذيع سراً إذا قلت إنني أعد لعمل موسيقى، سيقدم قريباً بين آلة العود وآلة البيانو الشرقي الذي يعزف الربع تون العربي ويستطيع أن يجاري مقاماتنا العربية والشرقية.

البيانو الشرقي
- ما هي آلة البيانو الشرقي؟ هذه أول مرة اسمع بتمييز من هذا القبيل. هل هناك بيانو غربي وآخر شرقي؟
- جاءت آلة البيانو الشرقية من آلة السنطور الشرقية الموغلة بالقدم أستفاد الموسيقي و صانع الات جوف سميث حيث اجرى التطوير على الة السنطور اولا، وذلك لان مبدأ الطَرق على اوتار البيانو بواسطة المطارق المربوطة بمفاتيح، مأخوذ من الة الهاربسيكود اصلا، والاخيرة مأخوذة عن آلة السنطور الشرقية القديمة، حيث يتم الطرق على الأوتار بواسطة المطارق الخشبية ويستخدم العازف يديه الاثنين بطريقة واضحة للمشاهد. والسنطور آلة انتقلت إلى أوربا في العصور الوسطى عبر بغداد، وأصلها يعود إلى حضارة وادي الرافدين. أما في البيانو فالطرق يتم بواسطة المفاتيح السوداء و البيضاء و بشكل مخفي تحت الغطاء حيث توجد المطارق ، من جهه أخرى ان ربع التون في السنطورغير محدد ويتم تغير العُرب في أكثر الاحيان، أما في البيانو الشرقي الجديد فقد استطاع سمث أن يوجد لكل ربع تون وترا خاصا لكي لا نحتاج الى تغير العُرب، وقام بضبطه على المفاتيح، إضافة إلى نصف التون والتون الكامل الموجود اصلا في البيانو..
اختراع جوف سمث هذا سيهدد بإلغاء دوزان البيانو الثابت المتعارف عليه، حيث يستطيع العازفون دوزنة آلاتهم حتى أثناء العزف، وسيسمح بأمتداد واتساع جذري في الخيارت الصوتية في عالم موسيقى البيانو المتعرف عليه.
لذا رحب بخوض التجربة معي، إلا أنه يريد أن يصل إلى نتائج حتمية لطريقة عزف البيانو الشرقي، وما اذا كان يستطيع ان يوازي أهم آلة موسيقية شرقية، ألا وهي آلة العود التي توازي مكانتها مكانة البيانو والجيتار في الغرب.

موسيقى تصويرية
- كنت في دبي مؤخراً، ما الذي فعلته هناك.. هل كنت تسجل أم ذهبت لتقديم حفل موسيقي؟
- رحلتي إلى دولة الامارات كان الهدف منها إنجاز بعض الأعمال الموسيقية منها تسجيل أربع مؤلفات بينها مقطوعة (جاز عراقي) على السكسفون والعود والقانون والكونتر باص والدرامز، ومقطوعة (غياب) بمصاحبة الفيلونسليل والكونتر باص، ومقطوعة أخرى، مازالت بلا اسم، للعود فقط. كما صورت بعض الأعمال الموسيقية، أقصد موسيقى تصويرية للسينما. فقد سبق لي وقدمت قبل سنتين أول عمل من هذا النوع، وهي تجرية انتجها وأخرجها الفنان السويدي العراقي فراس الغريب، و لاقت نجاحاً كبيراً. والواقع أنني انجزت في هذا السياق مؤلفات اخرى لكن بأسلوب مختلف هذه المرة. خلال رحلتي إلى دبي وقعت بعض الاتفاقات الفنية للموسيقى التصويرية، وقد شرعت في كتابة هذه الأعمال.

مدارس العود
- سألتك مرة عن مدرسة العود الشامية واختلافها مع كل من المدرسة المصرية من جهة والمدرسة العراقية من جهة أخرى لاسيما في العصر الحديث .. وكانت لديك إجابة مهمة، هل لك أن تعيد تحديد هذه الفروق للقراء؟
- في الواقع لا يوجد فرق كبير بين المدرستين الشامية والمصرية من الناحية التقنية والتكنيكية، أما من الناحية الروحية فالفرق باستخدام الموروث لكلا المدرستين. وفي القرن الأخير أصبح الحديث عن المدرسة المصرية يشير بشكل أو آخر إلى المدرسة الشامية لأنها أخذت منها الكثير، لذا أرى أن تميز المدرسة الشامية المصرية بالتركيز على الطربية والغنائية أكثر من التعبير والتصوير والتقليد الصوتي لمظاهر الطبيعة التي تميزت بها المدرسة العراقية. المدرسة الشامية- المصرية ركزت تقنينا على التريمول (الرش) في الريشة، أو العزف المتواصل، واستخدمت الريشة النازلة بكثافة، أي العزف بحالة الهبوط فقط (ولتقريب الفكرة: فإن الريشة تشبة قوس الكمان، ويتم العزف بالقوس بحالة الهبوط فقط) بينما المتعارف علية هو حالتي الهبوط والنزول معا في جميع الآلات العالمية التي تشبة العود، المدرسة العراقية ركزت على ذلك وحسبت بانتظام وبطريقة مدروسة وعلمية غير تابعة لأهواء ومزاج العزف. المرسة الشامية المصرية لا تستخدم الإصبع الرابع الصغير في اليد اليسرى في العزف (لنلاحظ العازفين المصريين أمثال فريد الأطرش, السمباطي) وهذا تعطيل تقني في العزف تجاوزته الآلات الأخرى، وهو ماركزت عليه المدرسة العراقية ووضعت له التمارين والسبل الأنسب لتقوية هذا الإصبع لأنه ضعيف بطبيعته ولعل ذلك من بين الأسباب التي جعلت المدرسة المصرية والشامية تهمله.
في الطريق
تأسيس فرقة موسيقية
- وبعد محطة دبي التي استغرقت منك شهراً، ما الذي تعد له في أوروبا خصوصاً، ما هو جديدك على مستوى الحركة في أوروبا؟
- الحقيقة أن مفكرتي الأوروبية حافلة لهذا العام والعام المقبل، فقد وقعت عقداً بتقديم أكثر من 20 أمسية موسيقية خلال عام 2008 وستكون العروض بين فرنسا وإسبانيا، وسترافقني في بعض الأمسيات فرقة موسيقية أسستها مؤخراً من عازفين عراقيين. في الامسيات سيكون هنالك موسيقي صولوست لآلة لا تتضمنها الفرقة ضيفاً لأمسية أو اثنتين، لدي أمسيات في ايطاليا خلال الشهر الثالث من هذا العام، وأيضا سيتم عرض العمل الشعري الدرامي (بغداد سماء مفتوحة) وهو عبارة عن قصائد للشاعر العراقي بالفرنسية صلاح الحمداني، ستكون البداية عرضاً في مدينة ليون، قبل أن ينتقل العمل إلى جزر النورمندي، ثم ينتقل بعدها إلى أكثر من مدينة أوربية ناطقة بالفرنسية، لان العمل مكتوب بلغتها. وقد وضعت له الموسيقى بحيث يكون صوت الشعر وصوت الموسيقى أفقان يتحاوران، وبالتالي لا تكون الموسيقى مجرد تابع للشعر كما جرت العادة في ثقافتنا العربية، وكما تقصد باستمرار عدد من الشعراء الذين دابوا على استدراج الموسيقيين إلى افخاخهم ليكون مجرد صداً وخلفية لشعرهم. في هذا المشروع مع صلاح الحمداني الشعر رفيق الموسيقى وعنصر أساسي في العرض. ولابد أن أشير هنا إلى أن لدي أمسية في الأمم المتحدة في نيويورك خلال الشهر السادس من هذا العام.
بطبيعة الحال لدي، كالعادة، أمسيات سأقدمها من أجل السلام لشعبي في العراق وفلسطين والمنطقة العربية والعالم، فالفن والموسيقى خصوصاً ضد العنف والاستعمار، ومع الأمل والحب والسلام والعدل والحرية لكل الناس. هكذا أفهم الأمور كفنان، ولست مستعداً لإدخال الفن في أي لعبة سياسية، أو لعبة زعامات، أو لعبة أقنعة واستثمار تقف وراءهما رغبة محمومة بالحصول على المال والمجد المزعوم. يجب على الفنان ان يربا بنفسه المتاجرة بألم الناس.

التجارة بالفن والألم معاً!
- كأني بك تشير إلى شيء.. وإلى أحد ما.. هل هناك شيء محدد.. وقائع محددة، سلوكيات معينة من قبل بعض الفنانين العرب تجعلك تقول هذا الكلام؟
- أكيد، وإن كنت لن اذكر أسماء، حتى لا يبدو كلامنا صغيراً، لكنني أتحدث من حيث المبدأ، فالمسألة ليست شخصية. هناك من يقوم بجمع المال زاعماً أنه يريد أن يخفف عن هذا الشعب أو ذاك.. ورغم أن هناك جهات شريفة وصادقة تساعد هؤلاء الفنانين على هذا السلوك إلا أننا لا نعرف حقيقة إلى أين تذهب الأموال، ولا ما الهدف من جمع هذا المال..رغم الادعاء الصريح بأنه سيذهب إلى هنا أو هناك. والفضيحة أن بعض الزاعمين إنما يعتاشون على مصائب الشعوب، ومن هؤلاء الشعبان العراقي والفلسطيني.
وعندما أننا عندما نسمع في الأخبار عن أن شخصا لم تسبق لنا معرفته، قام بقتل طفل في استراليا التي تبعد عنا الاف الأميال، سوف نشجب هذ العمل الاجرامي، لماذا؟ لأننا ضد عملية القتل وليس ضد الشخص بذاته، فوعليه نقول إننا ضد الإجرام في أي مكان من العالم وضد أي احتلال في العالم، ولا يوجد قتل حلال وقتل حرام، لذا نقول للذين وقفوا مع الظالمين بالأمس واليوم وسيقفون غداً أيضاً: كفوا عن المتاجره بقضايا الابرياء. وفي ظني أن الابرياء من كل ماض ساند الظلم هم الذين يجب أن يتحركوا وبسرعة لنجدة إخوتهم اللاجئين والمهجرين، عراقيين وفلسطينيين. لأن تجار الفن والسياسة لا يدعون بذلك من أجل اللاجئين بل من أجل مصالحهم التي فقدوها ومن أجل جمع المال والمتاجرة بدماء الناس. وعندي أن الموسيقي الحقيقي بعيد كل البعد عن ان يكون مجرد مخلوق أناني يقصر مشاعره على تأمل ذاته ومصالحه باسم الموسيقى والفن. أن العمل بعمق سوف يقود الفنان الحقيقي الى أن يضع بين يدينا نتاجه بعيداً عن الزيف والادعاءات، فالزيف في الموسيقى كمن يهتم بالمظهر الشكلي دون صدق التعبير، واعني بذلك تلك الأعمال الموسيقية التي تأتي بدون روح ولكن بتكنيك عضلي وصخب.

مع الخطأ ضد الخطيئة
- هل نستنتج من هذا أن لديك مواصفات مثالية للفنان أكان شاعراً أم موسيقياً أم مغنياً وأن هذا عليه أن يكون منزهاً عن أخطاء البشر؟
- لا، أبداً ليس قصدي أن يكون الفنان منزهاً عن الأخطاء، فالذي لا يخطيء هو الشخص الذي لا يفعل شيئا. لكن هناك فرق بين الخطأ والخطيئة. أن مع الخطأ فهو شيء بشري، ولكن ضد الخطيئة لأنها عمل خسيس، وضد الطبيعة الأصلية للإنسان. وحين يذكر المنظرون في علم الجمال أن الفن هو القدرة الفعالة على إحالة كل شئ الى التعبير، فإنهم يعنون أن أي موضوع تمتد إليه يد الفنان الحقيقي لا بد أن يتحول إلى حالة عامرة بالمشاعر والعواطف والانفعالات الحقيقية عبر الإنتاج الصادق الهادئ. فقوة التعبير (الروحية) ترتبط ارتباطا و ثيقاً بالصدق الفني الإنساني معاً. ومعنى هذا أن الاعمال الموسيقية الأصيلة ليست بحاجة إلى الكذب والتهويل، مثلاً، في صناعة المؤثرات الانفعالية، لذا تجد واحدا من الموسيقيين الذين يدّعون الإحساس والتعبير يصف حادثاً إنسانيا بمدينة بغداد ولا يثيره حادث آخر لا يقل بشاعة في مدينة أخرى من العراق. وتتفتح قريحته من أجل ضحية، وتقفل أمام ضحية أخرى. والفنان الحقيقي هو مع كل ضحية وضد كل ظلم، اياً يكن مصدره. مادام الضحايا هم الأبرياء. وبالتالي فإن المشكل في الذي يوظف الأدب والفن والموسيقى ويجعلها مفخخة بأغراضه الذاتية الأنانية وألاعيبه التي يضمن بها مصالحه الآنية والمستقبلية.
هنا لا يصدق التعبير لدى هؤلاء مهما كثر الضخ الدعائي المدفوع الثمن أرضياً وفضائياً، وبما أن التعبير هو عصارة روح الانسان، فلابد ان ينتج انفعالا متساويا أمام كل الحوادث البشعة وكل الانتهاكات لحق الإنسان في الحياة، فليس من شيم الفنان أن يفضح جريمة ويتستر على جريمة، إذ ذاك يتحول الفن، وتتحول قضايا الإنسان إلى سلعة للبيع مقابل الامتيازات. وهذه خطيئة لا تغتفر.

Powered by PhPeace 2.2 alpha