logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

يقدم الموسيقا في جمل فعلية ...مختار: استخرجت من المخطوطات تمارين الكندي على العود

نلقي في هذا الحوار الضوء على تجربته، ورؤيته للتجديد الموسيقي، ووضع الموسيقا العربية اليوم.
27 كانون الأول 2007 - حوار: بشير البكر

الخليج أولا هل لك تقديم تجربتك الموسيقية وخصوصياتها؟
08 دبي
- أرجو ان تسمح لي بالاجابة على هذا السؤال من خلال ايراد آراء بعض النقاد والمتخصصين في مجال الموسيقا الأجانب والعرب، وهذا يمكن ان يكون اكثر فائدة، لأن هؤلاء قرأوا التجربة وخصوصياتها بحس وخبرة المحترفين. وهنا بعض هذه الآراء عن تجربتي الموسيقية التي بدأت منذ اكثر من 25 سنة قضيتها بالتمرين المتواصل، والبحث في خصوصيات العود والموسيقا العربية: يقول الناقد المعروف مايكل تشيرج في صحيفة الاندبندنت “البريطانية” قد يكون العود أصعب الآلات الموسيقية الشرقية جميعاً، ولكن مختار يستطيع ان يجعله يحلم ويركض ويرعد، كما ان استخدام الصمت له أثر عظيم في عزفه. وفي رأي آخر يقول أستاذ الموسيقا الاثنية وليم سليث: “احمد مختار هو واحد من كبار عازفي العود، لذا ستكون موسيقاه فرصة نادرة للاستماع الى الموسيقا الكلاسيكية العربية والعراقية، وفرصة لنلامس آلة العود عن كثب والتي يعود تاريخها الى آلاف السنين حيث جاءت من ارض بابل وسومر. وبعيداً كل البعد عن النهضة الموسيقية الغربية في القرون الوسطى، كان العود يتطور على ارض بغداد والأندلس أيضا، فلا بد لجميع عازفي الجيتار والكمان وعشاق الموسيقا الاثنية ان يستمعوا لتجربته”. وكتبت سحر طه - الموسيقية والمطربة والناقدة تقول: “يتنفس هواء بغداد، فهو يستعيد أنفاساً من المدينة العتيقة. ينهل من تراكمات حضارتها، وبالأخص موسيقاها، والحب من عبق بخور أزقتها. يستوحي الحيوية من إيقاعات شوارعها الفارهة، ونبض الحياة من جناتها الخضر وشموخ الألحان من نخيلها الباسق”.

ما هو مشروعك الموسيقي للمستقبل؟

- الموسيقا بالنسبة لي تعبير صوفي وتجريدي، لذا ابحث عن وسائل وادوات كثيرة للولوج الى العالم الروحي للموسيقا، وعليه فإن هدف الموسيقا بالنسبة الي هو الوصول الى المطلق، الاحساس به والعيش مع جزئيات من نوره. أحاول ان اقدم الموسيقا في جمل فعلية، واجتهد ان احقق ذلك في مسارين، العمل التقني والعمل الروحي. والتقني بالنسبة لي هو وسيلة للروحي وليس غاية. درست وادرس التراث الموسيقي العربي، بقصد الاستفادة من تجارب الموسيقا التي بناها عباقرة وفلاسفة الموسيقا، الكندي، الفارابي، صفي الدين الارموي، ابن سينا، اسحاق الموصلي، ابراهيم الموصلي وزلزل ثم زرياب. اعمل على استيعاب ارائهم وافكارهم ونتاجهم الموسيقي النظري والعملي مرة اخرى، وطرحه بشكل يصور العصر الذي نعيشه من الناحية الحسية، لأنه وكما نعرف ان المؤلف الموسيقي والعازف يعيش ظروف عصره، أي بعبارة أخرى إذا تفحصنا شخصية المؤلف سوف نكتشف أنها مصوغة من عنصرين متميزين، هما شخصية ولدت معه، وتأثيرات الزمن الذي يعيشه، ومن نتيجة اتحاد الشخصية الفردية، بالفترة الزمنية الخاصة بالمؤلف، يتكون الأسلوب.
تطمح محاولاتي لإعادة زمن التألق الموسيقي العربي وجماله، الذي يعبر عن روح الانسان وثقافته وخياله، في تلك الفترة المفعمة بالمشاعر والعمق والحب والتوله بكل الاشياء والمخلوقات، فمن أحب الله أحب مخلوقاته. أستخرج من التراث القديم امورا تقنية مهمة مثل تمارين الكندي على العود في المخطوطات والتي حققها زكريا يوسف، اكتشفت مقاما قديما لم يستخدم اليوم، ووجدت نقاط لقاء بين الموسيقا العربية والموسيقات الاخرى. عملت على نظرية الاجناس المتداخلة، والربط الجزئي بين المقامات، ودراستها بالمعنى التحليلي. وفي جانب تاريخ الموسيقي الحديث أعني في القرنين الاخيرين، حاولت الاطلاع ودراسة كل انواع الموسيقا العربية من السورية بقدودها الحلبية والشامية والمصرية بأدوارها، موسيقا المالوف في المغرب العربي، والصوت في الخليج العربي، وحتى الموسيقا السودانية. تعرفت إلى روادها من مغنين وملحنين، على ايقاعاتها الموسيقا، المتميزة في كافة البدان العربية. وقد وفرت لي دراستي في العراق وسوريا، وعملي في لبنان وبحثي في المغرب العربي والخليج فرصا جيدة للحصول على المادة الموسيقية، التي أستطيع صياغتها والتعامل معها.. من جانب آخر اتمرن ساعات على جملة موسيقية لأجد لها الصيغة المناسبة وطرحها بشكل متفرد.

إن كل ما تقدم يعتبر المخزون الذي أستند عليه، حتى اصبحت امتلكه شخصياً، لأن الارث الموسيقي العربي بحر عميق من المنتج البشري، الذي يحتاج الجهد والمثابرة للوصول إليه، كل هذا يؤسس مشروعي الذي يمزج بين التراث والمعاصرة، وعنوانه الحداثة بمفهوما النابع من التراث. أتمرن ساعات على التقنية ولكن لا أقحمها في غير محلها من أجل الإبهار، بل ادع المخيلة هي التي تكون القطعة الموسيقية. ومن اساس مشروعي الاستفادة من الموسيقا العربية ذات الموروث الغنائي الذي يشكل 90% من الموروث الموسيقي العام، وتحويل الصالح منها الى موسيقا صرفة غير غنائية.

تعرفت على الموسيقا الهندية والإفريقية والإنجليزية والإيرلندية واليابانية والصينية والموسيقا الغربية والأمريكية اللاتينية، وتوصلت إلى نتائج جيدة أغنتني بالطبع. ولكني بالمقابل حافظت على تواصلي الدائم مع الموسيقا العربية والشرقية، من خلال وسائل متعددة وأجواء حقيقية وسماع لكل ما هو جديد وعميق - وسطحي أحيانا - لمعرفة عناصر القوة والضعف معا. من خلال ذلك استطعت أن أحافظ على جوهر موسيقاي العربية. هنالك رؤى جديدة أنتجتها خلال وجودي في بريطانيا ولكن نتيجة الخبرة التي اكتسبتها في المجتمع الجديد، وتطور رؤيتي للعمل صبت في مصلحة الموسيقا العربية لأنها تجري في كل جوارحي.

ما نظرتك لوضع الموسيقا العربية؟

- تمتلك الموسيقا العربية الكثير من مقومات الموسيقا الإنسانية، التي يتسنى لها الوصول إلى المتلقي والتواصل معه، خصوصا المتلقي غير الشرقي. وهنا أعني بالضرورة أن الموسيقا العربية على وضعها الحالي قد حققت وتحقق الانتشار على صعيد بلدان الشرق. ومن هذه المقومات، ولو أخذنا الجانب النظري فقط من باب الإشارة إلى بعض المميزات لا المقارنة الدقيقة، لوجدنا أن الموسيقا العربية تحمل ما لا تحمله الموسيقا الغربية على سبيل المثال لا الحصر. فمثلا للموسيقا العربية ثمانية مقامات رئيسية، وهنالك العشرات من المقامات الفرعية، كما نستطيع أن نبني كل مقام من تلك المقامات على 24 درجة موسيقية، بينما ليس هناك اكثر من مقامين رئيسيين في الموسيقا الغربية، ولكل منهما مقامان فرعان. أما البناء فيتم على 14 درجة فقط. ولكن الجانب المهم الذي طور الموسيقا الغربية، وبشكل ملحوظ هو الهارموني أي مبدأ تآلف وانسجام الأصوات. ولو رجعنا إلى كتب التاريخ لوجدنا أن أول من استخدم المبادئ الأولى هم العرب، وتحديدا الكندي. وفي تمرين تعلم العزف عل العود الموجود في مخطوطته (رسالة في الموسيقا) والمحفوظة في المتحف البريطاني يتضح ذلك في صورة جلية، ولكننا لم نستفد من ذلك، بل ان بعض الموسيقيين يعتقد أن الهارموني علم لا يناسب الموسيقا العربية ولا تتحمله البنية العامة للموسيقا لدينا. ولكن ومن جانب آخر وبفضل اجتهاد العلماء الغربيين والنظريين في الموسيقا، تطور هذا العلم ووصل إلى هذا النحو حتى أصبح جزءاً من موسيقاهم. وإذا قارنا بين الموسيقا الغربية في القرون الوسطى واليوم، نستطع أن نلمس الفارق والتطور الذي حصل للموسيقا خلال الفارق الزمني.

من هنا أود التأكيد على عدة عوامل لنشر موسيقانا: أولها، أن ندرك ما تحمل، ونعمل على الاستفادة مما موجود في خزينها وتراثها، الذي استفاد منه الكثيرون، وليس الغرب وحده، بل تركيا وأذربيجان وآخرون. ثانيا، تطوير الموسيقا لكي ندرك نحن أولا ما تمتلكه، وذلك يتم في رأينا من خلال عمل مناهج تدريسية متطورة يضعها ذوو الاختصاص، بما يتناسب تقنيا وتطور علم العزف التقني والمناهج نظرية. ثالث، تطوير صناعة الآلات الموسيقية، وفتح المعاهد الموسيقية المتخصصة لتهيئة كادر تدريسي على إلمام بأنواع الموسيقات الأخرى، وأيضا اعداد الناقد الموسيقي المتخصص الملم بتاريخ الموسيقا وعلمها النظري.

بعد كل ذلك يمكن أن ندرس كيفية تقديم الموسيقا العربية للمتلقي الآخر، وما هو دور الإعلام الواعي في ذلك.

كيف تنظر للتأليف والتلحين في الموسيقا، وما هي الحدود بينهما؟

- لابد من التفريق بين التأليف الذي يعني الموسيقا الصرفة، والتلحين الذي يعني الموسيقا الغنائية. فالموسيقا الصرفة لم تجد في تاريخ الموسيقا العربية إلا حيزا صغير قياسا إلى الموسيقا الغنائية، التي كان لها الدور الأكبر، وذلك يعود إلى الثقافة العربية واعتمادها على الشعر ومكانته في حياة العربي تاريخياً. وكذلك طريقة الإلقاء والتركيز على مخارج الحروف، والتأكيد على المعنى الذي يتم بوضوح العبارة أو الكلمة، واعتماد الإيقاع المعتدل والبطيء، كل هذه العوامل أسهمت في تكوين أسلوب التلحين الذي هدفه الأول الكلمة. بينما هدف الموسيقا الصرفه (غير الغنائية) هو الأفق لا التطريب، وبناء جمله لا تعتمد على الكلمة ولا يحدها الحرف، إضافه إلى استخدم عوامل أخرى على قدر من الأهمية في تكوين البناء الموسيقي، مثل الصمت.

هذه واحدة من مشاكل التأليف وهي عدم التمييز بين الجملة الغنائية والجملة الموسيقية الصرفة، وهذا على مستوى المؤلف والمتلقي معا، إن وجود اذن موسيقية معتادة على سماع الموسيقا يساعد المتلقي في خلق عالمه الخاص، ويشارك المؤلف في الوصول إلى ذلك التمييز الذي تحدثنا عنه.

ما مستوى الاهتمام الرسمي بالموسيقا،مقارنة بالفنون الأخرى؟

- الاهتمام الرسمي العربي بالموسيقا، لا يرتقي الى المستوى المطلوب، او المستوى التي تحتاجة الموسيقا العربية، باعتبارها من أهم مراحل تطور الموسيقا في التاريخ العالمي، وذلك خلال فترة الأمويين والعباسيين، ولا ينسجم الدعم الرسمي العربي، مع اهمية الموسيقا العربية وثرائها من حيث المقامات والايقاعات والانتاج الفني الذي يمتد الى اكثر من 1500 سنة. بل ان بعض انواع الدعم الرسمي له شروطه السياسية، ولذلك نرى الاهتمام الرسمي العربي ينحصر في مهرجانين أو ثلاثة وهذا لا يسمى دعما بالمعنى الحقيقي، بل ان انتاج الشركات الخاصة صار اهم من الدعم الرسمي العربي، ولكن اغلب الشركات الموسيقية لا تراعي مستوى الإنتاج الموسيقي بل تراعي متطلبات السوق، ومن المفروض ان يكون هنالك دعم رسمي يبتغي المستوى الموسيقي، ما يجبر الشركات للارتقاء بمستواها الانتاجي الموسيقي. وللأسف ان ما نلاحظه هو ان الدعم الرسمي اما غائب او رمزي او مشروط، ما فتح المجال للشركات الانتاجية الموسيقية لتصبح اللاعب الوحيد، وبعد ذلك يصبح كل ما تقدمه الشركة هو نعمة وفضلا، لعدم وجود منافس، يحافظ على المستوى الموسيقي.

كيف ترى ذائقة الاجيال الجديدة موسيقياً؟

- هنالك من حافظ على معنى الموسيقا الحقيقي واهدافها الروحية في الذائقة الجديدة، اي امتداد عمل الموسيقا واهدافها الحقيقية عبر العصور، ولكن تبقى الغلبة لذائقة الاجيال الجديدة، التي تعتمد على الانتاج الجديد، وأقصد هنا ان ذائقة الاجيال الجديدة، والانتاج الموسيقي الجديد يعتمدان على ايقاع العصر، وتغير الحياة، والتطور التكنولوجي، وهذه القضية بدأت من الغرب وموجودة اليوم بشكل منتشر، أين موسيقا الجاز التي كانت منتشرة في النصف الاول من القرن العشرين واغنيات سبايس جيرلز اليوم واذا حللنا الموسيقا العربية نجد ان الايقاع الموسيقي فيها تغير، واصبح اكثر سرعة تبعا لإيقاع الحياة.

من اين يعيش الموسيقي العربي اليوم؟

- الموسيقي العربي في الغرب مثلاً، اذا لم يستطع ان يثبت وجوده

وأهميته كموسيقي، فلن يستطيع العيش من مردود الموسيقا المالي، لذا ذهب بعض الموسيقيين الى العمل في مهن اخرى. وذلك رغم أن هناك رواجا للموسيقا العربية الصرفة، وهنالك الكثير من الشركات التي تهتم بموسيقا الشعوب، لذا فعلى الموسيقي ان يكون جادا ومثابراً ومتمرساً وموهوباً لكي يستطيع ان يقدم نفسه. وكما تعلم في أوروبا ان الاعتماد على الإبداع فقط، ومصادر العمل هي الحفلات والامسيات، التسجيل وتأليف الموسيقا التصويرية والسينمائية، والتدريس.

مثال آخر في البلدان الدكتاتورية نجد ان هذه المواصفات التي ذكرت في المجتمع الغربي، تعد ثانوية، وتأتي اولا مواصفات وشروط أخرى تتصدر المرتبة الاولى، وستجد الشروط المطلوبة من الموسيقي العربي في هذه البلدان ليس لها علاقة بالإبداع ولا الموسيقا.

Powered by PhPeace 2.2 alpha