logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

خط ومقام وقيثارة من أرض الرافدين إلى باريس بعد غياب سنوات

ونقل عازف العود أحمد مختار الحضور من...
باريس: إنعام كجه جي

الشرق الاوسط بعد غياب سنوات عن المسرح الثقافي لمنظمة «اليونسكو»، عاد العراق بفنانيه متعددي المواهب لكي يأخذ حيزاً من المكان الذي يستحقه. وكانت العودة أشبه بعيد شارك فيه حشد من محبي البلد، الذي ما زال يصرّ على مداواة جراحه بالفكرة واللوحة والحرف المخطوط والقيثارة الصادحة والمقامات المتوارثة التي ترفع الآهة الى عنان السماء.
وباحتفاء خاص من المدير العام للمنظمة الدولية، كوتشيرو ماتسورا، بدأت ليلة أول من أمس فعاليات الاسبوع الثقافي العراقي، هذا النشاط الذي طال انتظاره وتأجل لأكثر من مرة بسبب مصاعب حصول الفنانين العراقيين على تأشيرات الدخول، واستحالة التأمين على الأعمال الفنية وهي في طريقها الوعر من بغداد الى باريس.
إشارة الانطلاق كانت سهرة جمعت ما بين افتتاح معرض تشكيلي متعدد البؤر، وبين حفل موسيقي غنائي جمع من الأنواع ما لا يمكن أن يجتمع إلا في بلد كالعراق، غني بأعراقه وثقافاته ولغاته ومصادر حضارته. وهكذا تجاورت مجموعة مهمة من أعمال التشكيلي الراحل شاكر حسن آل سعيد مع لوحات لفنانين في سن الشباب. ونهضت حروف الخطاط القدير غني العاني وزخرفاته اللونية الى جانب منحوتات برونزية يختصر فيها الجسد الانساني ثنائية الألق والألم.
القيثارة السومرية وبعد الكلمات الرسمية التقليدية التي صبر عليها الجمهور لأنها المطهر الذي لا بد من اجتيازه قبل الارتماء في فردوس الموسيقى، تسللت الى المسرح الكبير لليونسكو شابة لم تتجاوز ربيعها الخامس عشر وجلست لكي تعزف، وحيدة، مقطوعات على البيانو. إنها زحل أحمد محمد، الطالبة في مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد. وكان منتظراً أن يرافقها في الرحلة من هناك الى هنا، عدد من زملائها، لكن إجراءات اصدار جوازات سفرهم الجديدة تأخرت (وما أدراك ما هي متاهة الجوازات العراقية؟) وحرموا من رحلة باريس ومن العزف على مسرح أعرق منظمة دولية للثقافة والتربية والعلوم. ثم جاءت معلمة زحل، الاستاذة أغنيس بشير، واشتركت معها في أداء مقطوعة من تأليف هذه الأخيرة، وفي عزف تنويعات على البيانو مستوحاة من الأغنية التراثية العراقية «ون يا قلب». وأغنيس فنانة جورجية المولد، تعرفت وهي تدرس الموسيقى في موسكو على زميل عراقي هو الفنان فكري بشير، سليل الأسرة الموصلية التي قدمت عوادين وموسيقيين خالدين. ولما تزوجا ذهبت لتعيش معه في موطنه الذي صار موطنها بالتجنس منذ أربعين عاماً، وساهم الاثنان في تأسيس مدرسة الموسيقى والباليه عام 1968.
بعد البيانو جاء دور العزف على القيثارة، وهي آلة سومرية قديمة كان نموذجها الأول محفوظاً في المتحف العراقي، قبل النهب. وجاءت الفنانة الكردية تارا الجاف مع قيثارة حديثة بيضاء وزيّ صارخ الألوان لتقدم أُغنيات شعبية من الشعر العاطفي الهورماني والسوراني. وتارا من مواليد حلبجة، مرّت في صباها بمدرسة بغداد للموسيقى والباليه وجربت العزف على آلات وترية عديدة قبل أن تعانق القيثارة. وتقول إن عينيها تسمرتا على القيثارة السومرية المهيبة عندما كانت طفلة تزور المتحف في رحلة مدرسية. ونجحت العازفة في بث الحرارة في القاعة عندما راح الجمهور يصفق معها على إيقاع غنائها الذي ابتدأ بالشجن وانتهى بمعاني الأمل والسرور.

ونقل عازف العود أحمد مختار الحضور من شمال العراق الى جنوبه. ودرس مختار في معهد الفنون الجميلة في بغداد. وواصل دراسة الموسيقى في جامعة لندن، وأصبح مدرساً في مركز الدراسات الشرقية والأفريقية فيها. وهو أحد أبرز أبناء الجيل الثالث من العوادين العراقيين، يعكس اسلوبه إخلاصه لمدرسة بغداد في العود التي تأسست، أوائل القرن الماضي، على يد الشريف محيي الدين حيدر.

وكان مسك الختام مع قارئ المقام الفنان حامد السعدي بصحبة فرقة «أنغام الرافدين». وليست هي المرة الأُولى التي ينشد فيها السعدي في باريس بصوته الصافي القوي، لكن من سمعه مرّة يسعى الى سماعه في كل مرّة، لا سيما أنه من قلة حافظوا على الطريقة التقليدية في الإداء، ولم يسحبوا المقام وما يتبعه من «بستات» الى ساحة الطرب الخفيف الذي يريده جمهور حديث متسرع تخفّ أرجله مع أي دقّة طبل، كما يقول المثل العراقي الدارج. فرقة المقام مع احمد مختار

وحامد بن عاشور داغر السعدي من مواليد محلة «باب الشيخ» عام 1965، تأثر في صباه بالقارئ الكبير محمد القبانجي ومن بعده بيوسف عمر. وهو يشبه هذا الأخير في هيأته وجلسته أمام التخت، معتمراً السدارة الفيصلية ومسبّحاً بسبحة في يمناه يضبط وقع حباتها على تهدجات حنجرته. ورغم التجاوب الكبير للجمهور فقد مرّ السعدي بالمسرح مرور الكرام، وترك المستمعين عطاشى، لأنه كان محكوماً بالوقت المخصص له، وكذلك لأنه أراد التكرم بجزء من حصته لقارئي مقام جدد من الفرقة المصاحبة له. ولم يقصّر هؤلاء بل أجادوا وأطربوا.

Powered by PhPeace 2.2 alpha