logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

بأنغــام العود أحاكــي الناس

مختار.. فرع من تلك الشجرة يانعة الاغصان.. وواحـــد من احفادهم ، عشق العود والعزف عليه، فاصبح حبــه الاول، وهاجسه الوحيد، سكب فيه مشاعره واحاسيسه وترجمها نغمات ساحرة يحلق معها في عالم الفرح، والحزن.. في ساعات السعادة، والحزن.. في لحظات الحب، والشوق


16 تموز 2007 - د. جمانة القروي
المصدر: جريدة الصباح العراقية

الصباح العراقية أراح رأسه على كفه اليسرى، ثم اتجه بنظره نحو النافذة وسبح بعيداً بأفكاره، قبل ان يجيب.. " ولدت عام 1967 ونشأت في عائلة فقيرة محبةٌ للثقافة بكل صنوفها، بالرغم من كونها عائلة فلاحية بسيطة..فقد هاجر جدي من مدينة العمارة في منتصف عقد ثلاثينيات القرن الماضي إلى بغداد.. لذلك كان الجو الاسري خليطاً من الحياة البغدادية والجنوبية، فيها الكثير من السمات والعلاقات التي الفوها في مواطنهم السابقة، سمات متنوعة , بها من هذا وذاك.. كان ترتيبي السادس بين تسعة اطفال.. وعلى الرغم من ضعف الحالة المادية، حرص والدي اشد الحرص على تعليمنا جميعا.. لقـــد تربيت، وترعرت في" مدينة الثورة"، التي تقع في اطراف بغداد وبالذات في "حي الاكراد".... صمت لبرهة، ثم استدرك قائلا .." انا اعتز بأني من تلك المدينـــة، التي تملك جماليات العراق ، حيث تختلط فيها القوميات والاديان والاعراق ولم يكن احد منا يعرف ، او حتى يهتم بذلك..
لم افارق مدينتي ابدا، درست الابتدائية هناك، والمتوسطة ايضا،ولاني كنت متفوقا في الدراسة، حثني والديَ على النجاح والتحصيل الجامعي.. وتلخص حلمهما في ان اكون طبيبا أو مهندسا، ولــم يكن يخطر ببالهما يومــا ان اصبح عازفـــا .. خلال سنوات صباي الاولى شعرت بميولي للموسيقا،فاشتريت بكل ما املك من نقود (ربابــة وطبلـة )، وقد اخفيتهما في حديقة الجيران أولا، ثم نقلتهما لســطح بيتنا..كنت اقضي ساعات القيلولة في تعلــم العزف عليهمــا .. اثناء ذلك تعرفت على جار اسمه عيسى وطلب مني تعليمه الايقاع ، مقابل ان يعلمني العزف على العود وبدانا نتدرب مع بعض ، لم يمضِ وقت طويل حتى تعلمت العزف على تلك الآلة السحرية .. وبذاك يعود الفضل لعيسى الذي لن انساه ابدا..!! حبي للموسيقى والعود بشكل خاص دفعاني لاتخاذ قرار الدخول إلى معهد الفنون الجميلة.. في البداية، شجعني ودعمني احد اخوالي.. بعدها استطرد قائــلا: "قدمـــت اوراقــي لمعهــد الفنون الجميلـة، فـي الاختبارعزفت مقطوعــة"سولاف " للاستاذ غانم حداد حينها كانت هذه المقطوعة مشهورة جدا، نلت استحسان اللجنـــة، ربما لحسن الحظ كان مؤلف المقطوعة ضمن اللجنة الممتحنة.. ضحك حينما كانت ذكريات تلك الايام تنساب كخرير جدول رائق.. " من صانع اعواد مشهور في منطقة الحيدر خانة اسمه "نجم عبود" اشتريت اول عود عام 1982 بمئة دينار، لم يكن مبلغا قليلا بالنسبة لي حينذاك"..!! اسعد ايام حياتي وامتعها السنوات الخمس التي قضيتها في المعهد.. ساعات طويلة امضيتها في العزف.. ما ان انتهي من المحاضرات حتى اسرع لاقضي بقية النهار والمساء بالتدريب على العود، والغريب اني كلما عزفت اكثر شعرت بازدياد حاجتي اليه"..
في السنة الاولى بالمعهد شارك في العزف في احدى الحفلات التي نقلت في التلفزيون، ما شجعه وشكل احدى الدعائم بالنسبة له.. في السنة الثالثة بمعهد الفنون الجميلة توسم فيه الاستاذ غانم حداد احساسه المرهف للموسيقى،ومواصفات العازف المنفرد ما جعله يهتم به بشكل خاص..عن هذا الموضوع يقول الموسيقاراحمد مختار.." غمرتني الفرحة عندما فاتحنــي الاستاذ غانم حداد، ليضمني الى طلابه في الـعزف المنفرد ..وقد استشرت اصدقائي المقربين بالموضوع سيما العارفين بهذا الجانب، وطلبوا مني عدم التردد في قبول العرض السخي.. شعرت بان المسؤولية اصبحت اكبر.. فلم اخذل استاذي ، بذلت اقصى ما في وسعي لتحقيق طموحي الموسيقي.. ولم أتوانَ يوما عن الاجتهاد في هذا الجانب.. وهبته الكثير من وقتي.. يتوقف لحظات ليأخذ نفسا عميقا فيه الكثير من الالم والحسرة ويواصل حديثه.. "لا يخفى على احد صعوبة تلك السنوات، في العراق.. تقطعت جميع السبل امامنا ، وصار لزاما علينا اما ان نكون مع البعث او ضده وليس من خيار اخر.. !!"لقد عانيت كثيرا من هذا، فهمي منصب على الموسيقا ولم تكن السياسة باي حال من الاحوال تعنيني ، لم ارغب ان اكون معهم اوضدهم.. للاسف حتى هذا لم يكن متاحا..!! لاسيما بعد ان برزت في الحفلات الموسيقية التي كانت تقام في المعهد.. !! دعيت إلى مركز صدام للفنون، استطعت التملص من قبول الدعوة، بشتى الطرق وبمختلف الذرائــع، حاولت الهروب منهم،..لان ما ان تطأ قدماي ارض المكان، حتى يصبح لزاما علي تلحين مقطوعات موسيقية خاصة بالقادسيـة او المعركــة الفلانية .. وطبعا لا يفوتنا اهداء المقطوعات الموسيقية ومهما تكن " للقائد"..!!وحينها راودتني فكرة الهروب من العراق ويوماً بعد أخر سيطرت علي هذه الفكرة ، َ وازدادت قناعتي بهــا، فلم يعد لي خيارأخر سواها..
وعن هروبه خارج اسوار جمهورية الخوف حدثنا المختار قائلاً بصوت عميق مثقل بالشجن:حينما علمت باعدام صديقنا ابو شفيع دق عندي ناقوس الخطر ، قد اكون أيضاً في قائمة المشتبه بهم..فاقتل دون اي سبب او ثمن!! وهذا ماحدث مع الكثيرين، وقتها لم استطع ترك البيت، فبين ساعة واخرى قد ياتي صديقي الذي وعدني بالمساعدة.. بقيت مشتتاً مبعثر الافكار تماما و في حيرة من امري!! في خضم تلك الهواجس التي طوحت بي يمينا وشمالا ، طرق عاصي الباب لينتشلني بكلمة "اجهز لكي ترحل الليلة"!! . عن الرحيل ، ومعاناته، والاحباطات والمتاعب التي رافقته.اخذ صوت احمد مختار يتكلل بشائبة الحزن وهو يقول.."لفنا الليل بعباءته.. وتحت سكونه وظلامه تسللنا من البيت من دون كلمة وداع للاهل تاركا رسالة مع صديق سلمها لهم بعد اسبوع من غيابي.. خوفي عليهم من بطش الامن والمخابرات، حرمني من احضان امي وقبلها..وعناق ابي وكلماته..!! مع الفجر وصلنا مدينة السليمانية، ومنها إلى مدينة حلبجة.. بين العبور بالسيارة ، والمسير على الاقدام.. وتعرضنا للابتزاز من قبل من يسمون ( بالفرسان) واجتياز حقل الالغام وصلنا اخيرا إلى المنطقة المحرمة " كما كانت تسمى"!! وهي ضمن سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني.. مكثت اياماً في مقرات البشمركة ، وكثيرا ما حاولوا اقناعي بالبقاء معهم وعدم السفر إلى الخارج.. لم ألن ولم تنكسر عزيمتي، ولم يتبدد حلمي الموسيقي ، واصررت على مواصلة ما بدات به دون الرضوخ لاية ضغوط..
http://www.alsabaah.com/20070715/pdf/p40.pdf

Powered by PhPeace 2.2 alpha