logo

احمد مختار

عازف العود المنفرد

English

أحمد مختار يوحدنا أيضاً

في ذات الوقت وذات الساعة التي كانت شذى حسون توحد العراقيين بفنها وتمنحهم نسمة من الأمل في خضم اليأس ونوراً في لجج الظلام وأكسير حياة في قلب الموت كان
17 نيسان 2007 - طلال عبد الرحمن
المصدر: صحيفة باب

صحيفة الباب في ذات الوقت وذات الساعة التي كانت شذى حسون توحد العراقيين بفنها وتمنحهم نسمة من الأمل في خضم اليأس ونوراً في لجج الظلام وأكسير حياة في قلب الموت كان أحمد مختار، العراقي أيضاً، يوحد العالم كله بفنه الموسيقي وعوده الصداح الآسر. فعلى قاعة المكتبة المركزية في مدينة غوتنبرغ السويدية، وبدعوة من مؤسسة (المبادرة) الثقافية السويدية اعتلى الفنان العراقي المبدع أحمد مختار ناصية المسرح وراح يملأ بعوده كل زوايا القاعة نغماً عراقياً ساحراً أسر به كل من حضر. كانت القاعة مكتضة بأناس من كل فج عميق. كان هناك السويديون والعراقيون والعرب والمهاجرون من كل لون. بعض العراقيين ممن حضر، وبسبب خلافاتهم الشخصية والأيديولوجية، ماكانوا ليجتمعوا في مكان واحد على الإطلاق، لولا قوة الموسيقى وسحرها، هذه القوة البناءة الهائلة التي أتمنى أن يأتي الزمن الذي يفهم فيه العراقيون والعرب أهميتها في توحيد الناس جميعاً على االحياة والأمل والخير والمحبة والسلام .ومن خلال عملي في الموسيقى منذ خمسة عشر عاماً اكتشفت ألا شئ يوحد الناس كالفنون وبالذات الموسيقى. ويبدو أن الكنائس هنا في الغرب قد أدركت هذا السر فصارت تنظم حفلات موسيقية وغنائية أملاً منها في كسب الناس. ليس هذا وحسب بل إن للموسيقى تأثيراً هائلاً على المرضى والمتخلفين عقلياً وكذلك على كل كائنات الطبيعة الحية من حيوان وطير ونبات. وأشير إلى حادثة حصلت خلال هذا الكونسرت. إذ دخلت إلى القاعة امرأة متخلفة عقلياً وكانت تتكلم مع نفسها بصوت عال، وجلست أمامي. وقد خشيت على الكونسرت حقاً. لكنها سرعان ما صمتت نهائياً حتى انتهاء الكونسرت ولم تبد منها نأمة واحدة. كانت جامدة في مكانها من شدة وقع الموسيقى وهيبة العود وعازفه. في الباب

كان أحمد مختار متألقاً كعادته ومتجدداً ومتطوراً . واضح جداًُ أنه يسير بخطى حثيثة وواثقة نحو المزيد من التفرد والإستقلالية. وهذه غاية المنى لدى أي عازف عود. وهو بالتأكيد ليس بالأمر الهين على أي فنان. وتمثل هذا التفرد في جانبين: الجانب العزفي أو المهاراتي والجانب النغمي أو التأليفي.

كان الكونسرت هذه المرة عراقياً صرفاً. وقد اتكأ الفنان في مؤلفاته على التراث الغنائي العراقي، وبالذات المقام العراقي، وكأنه أراد أن تكون البطولة هذه المرة بطولة مطلقة للمقام العراقي. وهكذا قدم لنا مختار باقة ملونة من المقامات العراقية كالخنبات وشرقي الرست والمخالف والدشت والنهاوند والحجاز وغيرها. لكن هذا لا يعني أن الفنان كان يستنسخ تلك المقامات كما تعودنا عليها وإنما كان يؤلف وينوع على تلك المقامات، إضافة إلى قدر من المغامرة هنا وهناك. وإذا كان غيري يتحفظ على المغامرات عندما يتعلق الأمر بالمقام العراقي فأنا شخصياً مع مبدأ المغامرة. فبمثل هذه المغامرات تتطور موسيقانا ونصل بها إلى محطات جديدة غير مسبوقة تسهم في إغناء التراث بدلاً من اجتراره. ومن أبرز مغامرات الفنان تنويعاته على مقام المخالف، هذا المقام المحدود نغمياً وتأليفياً والمغلق على المغنين والعازفين بسبب اختلافه عن السلالم الموسيقية العادية والتسلسل الغريب لتوناته وكذلك انطوائه على نفسه بسبب مايكروتوناته التي لا يمكن حسابها بالأعداد والكسور كما هو الحال بالنسبة للسلالم الأخرى، وإنما تعزف بالفطرة أو الخبرة أو الإحساس. وقد حاول الفنان أن يكسر مغاليق هذا المقام القديم جداً بتنويعات خاصة غير مسبوقة. فهل نجح في دلك؟ أنا أعتقد ذلك لكنني لست متأكداً بأن الأمر قد يروق لقراء المقام وأساطينه!

وفيما يلي عرض سريع للربرتوار الذي قدمه الفنان أحمد مختار:

1. مقام النهاوند: وقد تضمن تقسيمات حرة وتنويعات على مقام النهاوند العراقي مع بستة (جي مالي والي) العراقية المشهورة التي أغناها العازف بتاليفاته عليها وكاأنه قد منحها مقاطع جديدة دون أن يفقد الاغنية رونقها المعهود. وقد طرب السويديون الحاضرون لهذه البسته وذلك لصلة القرابة الكبيرة بين هذه البسته والأعم الأغلب من غنائهم التقليدي.

2. مقام شرقي رست: بدأ العازف هنا بدولاب من نفس المقام ومن تأليفه الخاص. وقد اختار لهذا الدولاب إيقاعاً سريعا، هو إيقاع الفوكس، خلافاً للدواليب التقليدية ربما في محاولة منه لتحديث فكرة الدواليب أو المقام بشكل عام. تلته تقاسيم حرة لمقام الرست على درجة الجهاركاه. تلا ذلك الدولاب التقليدي المعروف لهذا المقام ولكن بمهارات عزفية متطورة. واختتم الفقرة بأغنية (حمام يللي).

3. رقصة البدوي: وكانت من نغم البيات وعلى إيقاع الجوبي. ورغم بساطة التأليف كان التكنيك (المهارات العزفية) سيد الموقف.

4. مقام مخالف: تنويعات وتقاسيم.

5. سماعي حجاز: وهو من تأليف االفنان أحمد. وكانت الخانة الرابعة من إيقاع كريان الجميل.

6. مقام الخنبات: تقاسيم حرة على هذا المقام الجميل تلاها دولاب الخنبات ثم أغنية (البزرنكوش) الأثيرة.

7. جاز عراقي: مزج موفق وجميل ما بين مجموعة من المقامات العراقية وموسيقى الجاز.

8. نوروز: تقاسيم حرة من اللاوك الكردي. تلتها معزوفة إيقاعية من النغم نفسه ومن تأليف الفنان أحمد. وقد اختار إيقاع الجورجينة لهذا المؤلف.

9. مقام الأوج.: يحاول الفنان هنا أيضاً أن يجد طريقه في عوالم هذا المقام الزاهي الألوان وذلك من خلال استكشاف مديات جديدة لهذا المقام المطروق جداً من قبل العازفين الرواد. وكذلك يتفرد الفنان من خلال ابتكار مهاراته الخاصة به أو من خلال الكوردات الخشنة، وكأننا أمام عازف كيتار فلامنكو رغم صعوبة النغم.

10. على شواطي شط العرب: فلامنكو بصراوي إن صح التعبير.

11. مساء عراقي.: عمل يوحي مباشرة بأمسيات بغداد الربيعية والصيفية. كوردات ناعمة ورباعيات، جواب وقرار، استخدام أمثل لوتر قرار الفا، دخول قوي إلى مقام البيات الشجي مع تنويعات على بستة (كهوة عزاوي). والحقيقة أن تسمية العمل تصل بسهولة إلى أي مستمع عراقي حتى بدون ذكر ذلك الإسم.

12. طفولة: رحلة في أجواء الطفولة عبر نغمة عجم وإيقاع راقص وكوردات ثنائية ناعمة وتنويع في الإيقاعات والدايناميك والتمبو إضافة إلى المهارات العزفية لكلتا اليدين.

13. طائر الحرية: تمبو سريع كمن يركض هارباً وهو يلتفت إلى الخلف. موسيقى تصويرية تذكرني بفلم الفراشة. هناك هروب وانعتاق ومدى مفتوح وطريق معبد خال من البشر وغابات على جانبي الطريق وحدود أو هدف يوشك أن يمنح نفسه. كل هذا وصلني من خلال المعزوفة تلك والتي اختتم بها الفنان أمسيته ، وكأنه أبى ألا يتركنا إلا في مثل هذا الجو العظيم من الأمل والنور والحرية والإنعتاق.

فشكراً له ألف شكر!

Powered by PhPeace 2.2 alpha